عاشوراء واستحضار سيرة أهل البيت

إحياء موسم عاشوراء يعني استحضار سيرة أهل البيت ، وسيرتهم سيرة عطرة، لأنها التزام بالقيم والمبادئ، وتجسيد للأخلاق، ولا أحد يستطيع أن يجد في سيرة إمام من أئمة أهل البيت ثغرة أو عثرة أو نقطة ضعف. 
 
المجتمعات الشيعية تعودت أن تحيي هذه المواسم بذكر سيرة أهل البيت وحياتهم، قد تكون هناك ملاحظات على بعض الأساليب في عرض هذه السيرة، لكن من حيث المجمل، يمكننا أن نقول: إن استحضار سيرة أهل البيت كرس منظومة ثقافية ذات خصائص إيجابية في واقع حياة هذه المجتمعات، ونشير هنا إلى بعض تلك الآثار والانعكاسات لاستحضار سيرة أهل البيت في ثقافة المجتمعات الشيعة.

أولا: الارتباط بالقيادة الدينية وفق الضوابط والقيم:

 ذلك أن أئمة أهل البيت لم يكونوا في موقع السلطة والقوة، بل كانوا غالبا في حال حصار واضطهاد، وكان الارتباط بهم يعني نوعا من المخالفة للتيار السائد الرسمي، ويؤدي إلى فقدان بعض المصالح والتعرض إلى بعض الضغوط، وأحيانا تشتد الضغوط والمضايقات على التابعين لأئمة أهل البيت إلى حد التصفيات والتشريد والتنكيل، كما حصل في فترات قاسية من الحكم الأموي والعباسي.

استحضار هذا الحال في الوعي والوجدان الشيعي، رسخ هذا المبدأ عند الجمهور الشيعي، بأن يختار قيادته الدينية في كل عصر وزمن وفق القيم والمقاييس الشرعية، وليس من خلال المناصب والمواقع والتعيينات السياسية، ولا المعادلات الاجتماعية المادية.

لهذا يتم اختيار المرجع الديني عند الشيعة عبر توافر مواصفات أبرزها العدالة والمستوى العلمي المتقدم.

إن ما يسمعه الإنسان الشيعي من خلال سيرة أهل البيت ، وتفاني أصحابهم في محبتهم وولائهم، وتحملهم الآلام والشدائد للارتباط بهم، كما في حوادث كربلاء، وقصص أبطالها التي تتكرر على مسامع الجمهور كل عام بأسلوب عاطفي مؤثر، كل ذلك يصوغ ذهنية الشيعي ونفسيته، باتجاه البحث عن من يمثل الامتداد لائمة أهل البيت ، لإتباعه وأخذ أحكام الشريعة منه، مهما كلف من ثمن وتضحيات، أسوة بأبطال كربلاء الصديقين.

وهنا يأتي الارتباط بمراجع الدين إذ أمر الأئمة شيعتهم بالرجوع إليهم، والالتفاف حولهم كتطبيق وتجسيد لتلك الإيحاءات والتأثيرات من سيرة أهل البيت الحاضرة في الوعي والوجدان الشيعي.

ثانيا: الحساسية تجاه الظلم والعدوان:

الحديث عن ظلامة أهل البيت والعدوان الذي وقع على حقوقهم، يعتبر مادة رئيسية في مجالس إحياء ذكرى عاشوراء ومناسبات أهل البيت ، وعادة ما يتفنن الشعراء والخطباء في أساليب عرضها، ورسم صورها بشكل عاطفي مؤثر، يستثير المشاعر، ويستدر العواطف والدموع، ولاشك في أن ما أصاب العترة النبوية الطاهرة من المصائب والآلام، كان شيئا فظيعا مأسويا، وخصوصا مع أخذ مقامهم الرفيع في الاعتبار، إن هذا التذكير والاستذكار الدائم لآلام أهل البيت وظلاماتهم يعمق في النفوس حال التعاطف والتأييد لأهل البيت، اتكالا على نزوع الإنسان فطريا للتعاطف مع المظلوم، كما يخلق تعبئة واستفزازا دائما في نفس الإنسان ضد ممارسات الظلم والعدوان في كل زمان ومكان، ومن أية جهة وعلى أية جهة وقعت.

ومن المفترض أن يساعد ذلك على تحصين الإنسان من اقتراف الظلم والعدوان على الآخرين.

إن من تتفجر عاطفته ويهتز كيانه لذكر مقتل الإمام الحسين وأصحابه، ويمتلئ غضبا ضد قتلته، فإن ذلك يخلق في نفسه نفورا وابتعادا عن أية ممارسة تؤدي إلى إزهاق نفس أو إراقة دم حرام.

وإن من يتكرر بكاؤه ونحيبه لسبي عيالات أهل البيت وسلب خيامهم، فإن مناعته الذاتية ضد أي دور عدواني على حرمات الآخرين ستكون أقوى وأصلب.

وواقع المجتمعات الشيعية يشير إلى درجة عالية من المناعة ضد الظلم والعدوان، فهم كأي مجتمع بشري فيهم من ينزع إلى العدوان والظلم لكن مستوى هذه الحال وحجم انتشارها قد يكون أقل في أوساطهم قياسا إلى سائر المجتمعات المشابهة لهم في الظروف والأوضاع.

ثالثا: ضبط الانفعالات:

فسيرة أهل البيت تحكي درجة عالية من الصبر وكظم الغيظ وتجرع الغصص والآلام، من دون أن يدفع ذلك إلى ردود فعل على حساب مصلحة الإسلام والأمة، فلم يكن يتملكهم الغضب لأنفسهم، ولم يربوا أتباعهم على حماية المصلحة الفئوية أو الطائفية، بمقدار ما كانوا يغضبون لله تعالى، ويحرصون على نيل رضاه كما قال الإمام الحسين : «رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين». وكما قال قبله أبوه أمير المؤمنين : «فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا».

إنه درس كبير عظيم استفاد منه أتباع أهل البيت، في تعاملهم مع كثير من المواقف والمنعطفات في عصور تاريخهم إلى العصر الحديث. فمع كل معاناتهم من بطش نظام صدام وقمعه إلا أنهم لم ينجروا إلى ما انساقت إليه بعض الأطراف في بلدان أخرى من ممارسات العنف والانتقام العام بالتفجيرات والاغتيالات وضرب المصالح الوطنية.

ومع كل ما أصاب أهالي جنوب لبنان من أذى العملاء والمتواطئين مع الاحتلال الصهيوني، إلا أنهم بعد التحرير مارسوا ضبطا للنفس بدرجة لم تكن متوقعة من قوم منتصرين.

وما يحصل الآن في العراق من انضباط في الوسط الشيعي تجاه الممارسات الإرهابية التي تستهدف الزعامات والمقدسات الشيعية والمدنيين الأبرياء، من أجل وأد محاولات الفتنة الطائفية والاحتراب الأهلي، كل ذلك يعتبر من تأثيرات وانعكاسات استحضار سيرة أهل البيت .

استثمار موسم عاشوراء:

إن استحضار سيرة أهل البيت ، وحوادث كربلاء، تفتح أمام العقل والقلب آفاقا رحبة من الوعي والطهر والصفاء، ويمكننا تركيز الاستفادة والاستثمار لهذا الموسم العظيم في مختلف مجالات الاهتمام بالشأن العام.

ولعل من أبرز المجالات ما يأتي:

• أولا: تأكيد التمسك بالقيم والالتزام بالأخلاق: إذ تواجه مجتمعاتنا تحديا عنيفا على هذا الصعيد، فهناك انفتاح إعلامي ثقافي عبر الفضائيات ووسائل الاتصالات كالانترنت، تستدعي رفع درجة المناعة والحصانة، لتجاوز إغراءات التوجهات الإباحية، ومسلكيات العبث وتحريض الغرائز والشهوات.

وهناك مشكلات واقعية يعاني منها الجيل الناشئ قد تدفعه نحو حالات من ردود الفعل الطائشة، أو الميوعة واللامبالاة، كما تجعله فريسة لمافيا المخدرات وعصابات الإجرام.

إن الحضور الاستثنائي الحاشد لأبنائنا وبناتنا في برامج عاشوراء يعطينا أكبر وأثمن فرصة لتقديم العون والمساعدة لهم على مواجهة التحديات التي تنتصب أمامهم، وتهدد مستقبلهم ومستقبل الأمة من خلالهم.

فنحن بحاجة إلى خطاب ينفذ إلى عقولهم وتتقبله نفوسهم، وبحاجة إلى عرض برامج قادرة على جذبهم واستقطابهم.

• ثانيا: التماسك الاجتماعي: إن تطورات الحياة ومتغيرات الواقع، أضعفت قدرة الأسرة على شد أطرافها، فأصبحنا نواجه الكثير من الاضطرابات في واقع الأسرة، واهتزاز البيت العائلي، وضعف الارتباط به.

كما أن مناطق الحاجة والضعف اتسعت في مجتمعاتنا ما يزيد في تهديد أمننا الاجتماعي، ويشكل خطرا على مستقبل المجتمع، فلابد من استثمار هذا الموسم العظيم في تأكيد موقعية الأسرة ومعالجة ما يواجهها من مشكلات وتحديات، وفي الدعوة إلى مأسسة المجتمع وقيام المزيد من مؤسسات المجتمع المدني، بإنشاء مؤسسات وجمعيات ولجان تهتم بمختلف شئون المجتمع واحتياجات أبنائه.

• ثالثا: التفاعل الوطني: فلا يصح أبدا أن تكون أجواء عاشوراء في معزل عما يدور على ساحة الوطن.

والسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أنصار الحسين ورحمة الله وبركاته.