عاشوراء وبناء الإنسان

العلامة الحبيب *
اقرأ للكاتب أيضاً


استهلّ سماحة الشيخ محاضرته بقوله تعالى ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) 
وأشار سماحته إلى ثنائية البناء (التزكية والتعليم)  حيث لا يمكن لبناء أن يشيد الا من خلال التعليم والتزكية ، سواء بناء الانسان أو المجتمعات أو الأمم وأن البناء السليم والصحيح والمعتدل لابد أن يمر على برنامج التزكية والتعليم .

ثم تحدّث سماحته حول عدة محاور :

• المحور الأول : بناء الإنسان 

ربما نجد مناهج تتوجه لمظهر الإنسان الخارجي ، وهو ما نجد عليه اليوم القوانين الوضعية التي تريد أن تضبط الإنسان وفق القانون المعتمد ، فهي لا تلتفت إلى الباطن أبداً ، لذلك نرى عندما يتجاوز الإنسان بعض هذه الضوابط لا تصيبه حالة تأنيب الضمير. 

أما رسالات السماء فهي تعتمد على منهج (الجُوّاني) الدّاخلي الذي ينعكس على الخارج ، لذا جاءت مسألة التزكية ، فهي تضبط داخل الإنسان لينضبط خارجه ، فالإنسان عبارة عن مجموعة من الغرائز والشهوات والصفات وكلها ترجع إلى مصدر واحد وهو (الخلود والأنا) ، التي يجب أن تنضبط داخلياً لتنعكس على الخارج ، وهذا ما ركّزت على علاجه رسالات السماء ، أيضا لا بد أن يمتلك الإنسان الدّليل والهادي والمعلّم حتى يتمكن من السير في الطريق بدون أن يتخبط .

• المحور الثاني : عاشوراء وبناء الانسان : 

وقال سماحته بأن عاشوراء توّفر لنا أمرين :

الأمر الأول : النموذج (المثال) 

وأشار إلى أنه حينما يفكّر الانسان في الشهوات والغرائز فعلاجها موجود في عاشوراء ، وفيها الأمثلة الكثيرة ... (الموت بين يديك يا عم عندي أحلى من العسل) ، ( لا نبالي وقع الموت علينا أو وقعنا عليه ) ، فكل الأبواب عندما تطرق يكون لها في كربلاء المثال  ، فمثلا الضعف لا يعفي الإنسان من تحمّل المسؤولية (أنا عجوز سيدي ضعيفة – الغلام أيضاً تحمل المسؤولية وقدم لنا مثال) ، كما أننا نجد في كثير من الأحيان أن المرأة والرجل يمنعان من الخير أو العكس تحت أي ذريعة ، ولكن عندما نأتي إلى كربلاء نجدها تقدّم لنا أنموذجاً رائعاً وهي زوجة حبيب وموقفها المشرّف ، كما أن زينب سلام الله عليها تقدم لنا النموذج في ذكر الله ، وكيف أنها لم تتخلَ عن صلاة الليل حتى وهي في تلك الحالة وذلك الظرف العصيب . 

وهنا شدّد سماحة الشيخ الحبيب على أهمية الصلاة في وقتها ، وحث الشباب المؤمن على إيقاف كل الأعمال بما فيها الأعمال الخيّرة من أجل إقامة الصلاة في وقتها ، وضرب مثالاً بالإمام الحسين الذي قدّم قرباناً من أجل إقامة الصلاة ، منوّهاً أن من انسحب عن الإمام الحسين لم يكن بنائه تامّاً ومن بقى معه كان بنائه إيمانياً مكتملاً .

الأمر الثاني / الطاقة الكبيرة جداً ( حرارة كما في الحديث) 

وهي تنعكس في قلوب المؤمنين وكأنها بركان ، فمحرّم موسم استثنائي ينطلق فيه المؤمن في العطاء والتفاني .

وأكّد سماحته بأن الموسم هو مناخ للبناء ، فنحن لدينا مواسم متعددة ، وكل موسم له طعم ولون  ، فلدينا موسم رمضان وموسم الحج وموسم عاشوراء وموسم العمرة الرجبية وموسم الزيارة ، وهذه كلها مواسم مهمّة في حياة الإنسان ، والهدف منها بناء الانسان .

فعندما نحلّل موسم عاشوراء فإنه يقدّم لنا النموذج في التفاني من أجل الله سبحانه وتعالى ، ويقدم لنا مجموعة من البرامج التي تقضي على الشهوات ، ونرى أنه في هذا الموسم كلاً يقدّم ويعطي ما لديه ،  فصاحب القلم بقلمه والتاجر بماله وصاحب الفكر بفكره وهكذا ... وبهذا تضعف حالة الأنا .

ثم بيّن سماحة الشيخ أن حاكمية الغرائز والشهوات تُضعِف في الانسان حالة التدين ، وأن ما يفتت حالة الأنا في هذا الموسم هي هذه الحسينيات والمأتم و مجالس الذكر، فالموسم مرحلة تدفع بالإنسان لتصحيح أوضاعه .

وأشار سماحة الشيخ إلى الدور الكبير للمنبر الحسيني يكمن في العطاء والبناء ، وأنه قدّم الكثير من أجل بناء الفرد والمجتمع والأمه .

وتساءل سماحته : هل من يمرّ بهذا الموسم سيكون مبنيًا البناء الصحيح ؟ 

وأجاب على ذلك : بأن الإشكالية هي في فهمنا لكربلاء ، فحن نرى الكثير ممن يدخل الموسم ويعبر فيه عن حزنه وتفاعله ولكن من دون أي تغيير فعلي ينعكس على حياته  .

ثم بيّن الشيخ الحبيب أن كربلاء لها بعدين : بُعد العَبرة وبُعد العِبرة ، وأن المشكلة في التعاطي معها -كما هو الواقع- من خلال بُعد واحد وهو بُعد الحماسة والعاطفة ، حيث لدينا إبداع كبير فيه ، وهي حالة تنطبق على الوضع الشيعي بشكل عام وليس المنطقة فقط ، ولكن للأسف أننا نعاني تقصيراً واضحاً في الجانب الأخر.

إن الامام الحسين قدّم لنا مثالا جليّاً ، فهو مع أنه كان يعلم بأنه راحل ومستشهد ومع ذلك كان يخطط عسكرياً للنصر، فكربلاء لم تكن مسألة انتحارية ، بل يريد أيضاً أن يعلمنا أن كل شيء يجب أن يكون له تخطيط .

وقال سماحته أن لدينا خللاً في جانب العِبرة والحكمة ، فنحن دائما نكرّر عبارة (لبيك داعي الله .. ولبيك يا حسين) ، وأن كلمة "لبيك" تعني الاستجابة الدائمة ، لذا يفترض أننا على وعي لأهداف ثورة الامام الحسين ونهضته ، فهو كان واضحاً في أهدافه ( الإصلاح في أمة جدي ..آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) ، فالإمام رأى خللاً في الأمة يحتاج لإعادة بناء ، ونحن عندما نلبّي الإمام فذلك يعني الاستجابة منّا لعملية البناء التي دعى لها الإمام الحسين .

ومثّل سماحته بالعبارة التي دائماً ما تتكرر ، وهي عبارة "خادم وخدام الامام الحسين" ، وبيّن أن كل عبارة لها إيحاءات ، فكلمة "ناصر" لها إيحاء ، وكلمة "خادم" لها إيحاء آخر يتمثل في الخدمة وتقديم الأكل والشرب على حب الإمام ، وتساءل : هل أن هذه (الخدمة) تكفي ؟ وهل أن الإمام الحسين نادى أما من خادم أو أو نادى أما من ناصر؟ وهنا شدد على أنه يجب أن نتعاطى مع عاشوراء ببعديها العاطفة والحكمة. 


• المحور الثالث : خطوات البناء 

أشار سماحة الشيخ في هذا المحور إلى عنصرين مهمين للبناء :

1- قرار الإنسان : فعند دخول الموسم يكون شخصاً وعند خروج الموسم يكون شخصاً آخر ، وبالتالي تتم عملية البناء التراكمية ، فكل موسم أدخل فيه يجب أن أخرج بازدياد في عملية البناء . 

وتأسّف سماحة الشيخ بأننا نقع في إشكالية في كثير من الأحيان ، وهي أن القرار غائب عنا ، وأن الاستعداد يكون فقط بتوفير المستلزمات ، أي في المظهر فقط ، ورغم أنه أمر مطلوب ولكنه غير كافٍ ، وأن الاقتصار عليه يسبب لنا خللاً .

وقال بأنه يجب أن ننظر إلى الداخل والباطن ، فما أثر نهضة الامام الحسين علينا ؟ فالإمام الحسين كان رافضاً للظلم ، فهل أنا رافض له ، كما أن الظلم أنواع ، فهو لا يقتصر على ظلم الحاكمين  فقط ! وإنما هو أوسع من ذلك ، فالزوج عندما يضرب زوجته أو العكس هو ظلم ، وكذلك عندما يُـقصِر الوالدان في تربية ابنائهم فهو ظلم ، لذا يجب أن يكون لدينا نفور من الظلم بأنواعه ، وعلينا أن نبني أنفسنا في هذا الجانب بناء تراكميا ، فمثلا هذا العام ننفر من الظلم ، وفي العام القادم لا أرضى بالظلم ، وحتى أصل يوماً للمطالبة بالعدل الشامل .

2- مسؤولية المنبر : حيث إن هناك مسؤولية كبيرة على أصحاب المنبر وأصحاب المآتم ، وكيف أننا نرى كثيراً من الأحيان الإهتمام بالجانب المادي وتوفير المستلزمات والتخطيط لتوفير كل ذلك ، ولكننا لا نلاحظ التخطيط من أجل ما سيتم تقديمه للمستمع والمتلقي الذي أعطانا وقته وسمعه للحضور في المأتم ، مشدّداً على أنه من الواجب والأولى أن نخطط لما نقدمه لهذا المستمع من فائدة .

وأشار إلى التطوّر الحاصل في تقديم الأمور المادية والمستلزمات في المآتم ، وتساءل : لماذا لا يواكب هذا التطور أيضا تطور وتخطيط لما يحتاجه هذا المستمع فكل ما يحتاجه هو موجود في ثورة الامام الحسين  ونهضته ، وأنه ليس فقط التخطيط هو المطلوب وإنما علينا أن نشخّص ما نحتاجه نحن في المنطقة ، فليس من الضروري أن ما يناسب منطقة ما هو مناسب لما نحتاجه في منطقتنا. 

وبيّن أنه على المؤسسة الدينية دور كبير في هذا الجانب ، وأن عليها تحويل هذه المجالس لمجالس بناء وأكاديميات ، فالمنبر كان يوماً من الأيام المصدر الوحيد للمعلومة والمحافظة على الولاء ، وأدى دوره الكبير في السابق  ولكنه يحتاج حالياً إلى تطوير ،  فيتطور العطاء لخدمة قضية البناء .
وختم سماحته بأن عاشوراء قضية مهمة في البناء ، وإذا أردنا أن نبني أنفسنا يجب أن نركّز على كِلا البعدين (بُعد العاطفة وبُعد الحكمة ) الذي تقدمهما لنا كربلاء ، نسأل الله تعالى ان يوفقنا وإياكم للبناء .
 

ضمن فعاليات برنامج منقذ البشرية الثقافي السـادس لشـهر محرم الحـرام لعام 1435هـ ، استضاف البرنامج في ليلته الخامسة سماحة العلامة الـشيخ محمد حسن الحبيب حفظه الله .
سماحة العلامة الشيخ محمد حسن الحبيب ( عالم دين من مدينة صفوى )