واضح أنَّك ضد المرأة!
في إحدى مناظراته المعروفة، يجيبُ عالمٌ يهودي معارض لإسرائيل، عن مغالطةٍ تجاهه، بجواب جميل..
يسأله احدهم: يتهمونك بأنَّك تعارض إسرائيل، رغم أنَّك يهودي، وعانى أبويك من النازية، إلا انَّك تعارض إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، لأنك يهوديّ متنكِّر لأصلك وكاره لذاتك– Self hate Jew- ..
هذا يسمى في المنطق غير الصوري، بمغالطة الشخصنة.. أي اتهام الشخص بأنه ينطلق في مواقفه من مصالح / آراء شخصية.. ولهذا فلا حاجة للنظر في آرائه، بل يتم اهمالها بسبب التحيُّز المسبق.
أما صاحبنا، فبدل أن يدخل في جدلية اثبات نفسه، بالرجوع الى التاريخ، ومواقفه السابقة – وهو تكتيك خاطئ اذ يصرف النقاش عن أصل المسألة- يقول بهدوء: وما دخلُ ذلك بالنقاش اصلا؟.. ففي النقاش ينظر في الدليل لا فيمن يقدِّمه، فهل يا ترى لو كنتُ يهودياً محباً لذاتي – Self love Jew- هل ستكون كل افكاري صحيحة؟!
..
كثيراً ما أواجه مثل هذه الحالة في ما ينشر في مواقع التواصل، فبدل النقاش في أصل ما قُدِّم من فكر، يتم القفز لمناقشة – النوايا- التي انطلقت منها.
ففي محاضرةٍ مثلا، حين تحدَّثت عن "عمل المرأة" وكيف أنَّ من يروِّج لضرورته ينطلق من نموذج مادي عَلماني في سلب القيمة من أي عملٍ لا يؤدي الى مردود مادي مباشر – أي الوظيفة- .. وحين انتشر مقطع مختار منه في بعض الصفحات، وجدتُ غير واحدٍ منهم بدل النقاش في الفكرة كتب ببساطة: "سيدنا قول من الأخير أنَّك ضد عمل المرأة، فلا تلف وتدور"!
وما دخل موقفي الشخصي من مناقشة الفكرة؟ والأدلة التي سُقتها.
صحيح، أنَّ الموقف الشخصي له تأثيرٌ في كيفية طرح الأدلة، واختيار ما يناسب منها، ولكن الموقف الشخصي لا ينطلق بالضرورة من تأثيراتٍ نفسية، بل قد يكون معتمداً على الأدلة المطروحة ذاتها.. وفي الغالب يكون الطريقة السليمة لمناقشة أيَّة فكرة النظر إليها بصورة مجرّدة قبل النظر في موقف القائل بها.
ويمكن أن يقال، أن لا وجود لرأيٍ غير متحيِّز أصلا، فيكون الجواب بأن الإرادة البشرية – التأمل الذاتي- لها القدرة على تشخيص التحيّز، ومن ثم تجاوزه، فيكون الرأي حينئذ أقرب إلى الواقع.
وفي النهاية.. إن مناقشة النوايا، مقصلة الأفكار!





