فَقدان الشَّغَف: عندما تَغيبُ الغايةُ وتَثْقُلُ الخطوةُ

الشيخ عادل ال جوهر *

تخيل  شخصًا يستيقظ كل صباح، يجهز حاجياته، ثم ينطلق إلى محل عمله أو دراسته ... كل شيء يبدو طبيعيًا من الخارج، لكنه يشعر بثِقَلٍ وجودي في كل حركة. المهام التي كانت تستغرق دقائق باتت تستهلك ساعات، والرغبة التي كانت تدفعه للإنجاز حلت محلها تساؤلات صامتة: "لماذا أفعل كل هذا؟". ما يعيشه ليس كسلًا ولا إرهاقًا عابرًا، بل انطفاءً داخليًا للجذوة التي كانت تُضيء طريقه.

١- ما هو فقدان الشغف؟ 

تُعَدُّ هذه الظاهرة من التحديات النفسية والروحية العميقة، وهي تتجاوز بمَراحل مفهوم الملل العابر. إنها اللحظة التي ينفد فيها "الرابط الوجداني" بين أهداف المرء وحركته اليومية، فتُصبِحُ الحياةُ آلةً تَعمَل بلا رُوح. ليس فقدان الشغف تكاسلاً، بل هو أشبه بـ توقف القلب عن استجابة نداءات العقل؛ فَيَجِدُ المرءُ نفسه واقفًا في منتصف الطريق، لا لعَجْزٍ في القدمين، بل لغياب الوقود الذي يُشعِلُ حركته.

٢- لماذا ننطفئ؟ (تشخيص الداء)

يستنزف الكثيرون طاقاتهم بالركض وراء "الواجبات" الجافة، متناسين تغذية أرواحهم بـ "الرغبة القلبية". وعندما ينفد مخزون الصبر، يسقط الإنسان في فخ الفتور. فالنية الصادقة والشعور بالهدف هما اللذان يمدان الجسد بالقوة، كما يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام): "مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ".[١] فبدون "الأجنحة" الخفية التي يوفرها الشغف، تصبح الخطوات مجرد تكرار باهت بلا طعم.

٣- رحلة العودة: من الفتور إلى الانتعاش

الخروج من هذه الدائرة يتطلب هجومًا من ثلاث جبهات متكاملة:

أولًا: الرفق بالنفس: مراعاة حالات "الإدبار"

يُعلِّمنا الإمام علي (عليه السلام) ميزانًا دقيقًا بقوله: "إنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالًا وَإدْبَارًا؛ فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ". [٢] الخطوة العملية هنا هي تقبل حالة الفتور كـ "شتاء نفسي" طبيعي، والتراجع المؤقت إلى المهام الأساسية فقط، لإعطاء النفس مساحة للتعافي دون جلد للذات.

ثانيًا: إعادة صياغة النية: تحويل الواجب إلى محبة

غالبًا عندما نتوقف ليس بسبب صعوبة الطريق، بل لأن البوصلة الداخلية تضاءلت؛ التي أطلقنا لأجلها. لذا، تكمن القوة في إعادة صياغة المهمة الروتينية وربطها بهدف أسمى؛ فبدلًا من رؤية العمل كعبء ثقيل، يمكن رؤيته كخدمة للناس، أو سعيًا لرزق حلال، أو إتقانٍ يحبه الله. هذا التغيير في "العدسة" يحول العمل من مجرد وظيفة إلى رسالة.

ثالثًا: تغذية الروح: الاتصال المستمر بالمعنى

يجب تقوية الاتصال الدائم بالغاية الكبرى عبر الأذكار الصادقة والدعاء بطلب العون، مع استلهام الهمة من سير الأولياء والصالحين الذين واجهوا الصعاب بيقين ثابت.

خاتمة تكاملية:

لا تنتظر الإلهام العاصف، بل ابدأ من أي ثغرة ضوء. اختر نقطة واحدة من النقاط أعلاه تشعر أنها الأقرب إليك، لتُحدث شرخًا في جدار الفتور، ثم تتسلل منها بقية الأنوار، فيُعاد إشعال مصابيح الشغف، شمعةً تلوَ الأخرى.

 

[١]: المَصْدَر: من لا يحضره الفقيه، ج٤، ص٤٠٠.
[٢]: المَصْدَر: الكافي، الشيخ الكليني، ج٣، ص٤٥٤.