الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق

 

 ليست "الفدرالية" بكلمة عربية ومن أصل اللغة، وإنما كلمة دخلت قاموس هذه اللغة وغيرها في العراق، الكردية والتركمانية والسريانية..الخ، في فترات مختلفة، وأصبح يجري تداولها بعد انتفاضة آذار 1991 .

وهي تترجم عادةً بكلمة "الإتحاد" كأقرب عبارة لها.وهي، في الحقيقة ، تعني شكلاً محدداً من أشكال الإتحاد. فهي لا تعني" التجزئة والانفصال " كما لا تعني"القهر والاندماج القسري" كما يرى البعض الآخر .

وهي نظام سياسي  يفترض تنازل عدد من الدول أوالقوميات،الصغيرة في أغلب الأحيان،عن بعض صلاحياتها وامتيازاتها واستقلاليتها لمصلحة سلطة عليا موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها الأخير في كل ما يتعلق بالسيادة والأمن القومي والدفاع والسياسة الخارجية .

والفدرالية السمة الأساسية في الأنظمة الحديثة التي تعمل على حل مشكلاتها القانونية والتنظيمية والسياسية التي تعقد بفعل التبدل الاجتماعي والعلاقات الدولية. فهي على الصعيد الداخلي تسعى لتنظيم

أمور الدولة الداخلية، بهدف تسيير العمل والوظائف وتوزيعها مابين السلطات المركزية والسلطات المحلية، بحيث تحترم السلطة الفدرالـية

المصالح الخاصة للقوى المؤلفة للدولة الأم، ومقابل تنازلها عن صلاحيات الأمة العامة .

وعلى الصعيد الخارجي تلجأ الدولة الفدرالية إلى رسم علاقاتها الدولية لصالح مجموع الوحدات والكيانات التي تتكون منها .

فالفدرالية إذن تتعلق بالنظام السياسي وبالنظام الإداري وبتقسيم صلاحيات السلطة الحاكمة وتنظيم العلاقات فيما بينها ، وتأمين انسجامها لتمنع تغلب طرف على طرف آخر ، فتحصر قرارات الدولة الفدرالية المركزية بالقمة ، وتترك الأمور المحليّة للسلطات الإقليمية ، والسلطات المحلية بدورها لا تخرج عن نطاق صلاحياتها ، فهي لا تشرع للقضايا التي تتعلق بالدولة المركزية ، رغم أنها تشارك في المؤسسات التي تعالج الأمور القومية ، وتنظم هذه المؤسسات الصلاحيات وتوزعها بشكل يؤمن استقلالية الوحدات المكونة للسلطة الفدرالية ويضمن لها المشاركة الفعالة في القرارات المركزية والمصيرية .

وفي القرن العشرين ارتبطت ظاهرة الفدرالية بمبادئ الدفاع عن حقوق الأقليات والأثنيات القومية والدينية الصغيرة بالتوجه نحو إضعاف مفهوم الدولة المركزية. فتكثر الأنظمة الفدرالية حيث يكثر التنوع القومي والأثني والديني . فهي مطبقة في كل من الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وسويسرا والاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وأستراليا والهند واندنوسيا وغيرها من الدول .وقد اختلف مفهوم الفدرالية وكيفية تطبيقها من دولة إلى أخرى. وبما إنها مفهوم سياسي يتعلق بالنظام السياسي والسلطة، وبما أن الديمقراطية ، والتمثيل السياسي وتقرير المصير، هي من المقومات الأساسية للفدرالية فإنها بذلك دائماً عرضة لسوء الفهم والتطبيق، ومعيارها الوحيد هو الديمقراطية واحترام المصالح والسيادة للدولة والقوميات. ويكاد مفهوم الفدرالية يترادف مع قول الفيلسوف (جفرسون) في القرن الثامن عشر" الدولة التي تحكم جيداً هي التي تحكم أقل" فالتجاوب مع الحاجات القومية والإقليمية، هو معيار آخر للفدرالية.

ومن هنا فأن الدول الفدرالية تكاد تكون النقيض للإمبراطورية التي تتميز بمركزية شديدة وبسيطرة المركز على الأطراف .

والفدرالية على أنواع  ودرجات متفاوتة في الأشكال والصيغ التطبيقية، إذ تتراوح ما بين وحدة مطلقة أو الاتحاد ما بين مجموعات متمايزة تماماً. وتتمتع بحرية كبيرة تكاد تصل حتى حق الانفصال .

ومسيرة تكوّن الفدرالية نفسها تتبدل من دولة إلى أخرى. فبعض الفدراليات، بدأت من وجود مجموعات وقوميات سياسية متفرقة، تعاقدت على تبني سياسة مشتركة، فعقدت فيما بينها وحدة فدرالية لتتخذ قرارات مصيرية مشتركة. بينما فدرالية أخرى بدأت كدولة مركزية موحّدة تفرقت إلى وحدات وقوميات متميزة ومنفصلة نسبياً سعياً إلى التمتع بحرية في قراراتها واكتفت بإقامة علاقة فدرالية مع مجموعاتها الموحدة.

وغالبية الدول الفدرالية تعتمد نظام فصل السلطات. والتمثيل الشعبي في الدول الفدرالية يكون عادة على مستويين يتجسدان في نوعين من المجالس التمثيلية :

مجالس منتخبة مباشرة من الشعب، ومجالس أخرى لها صفات فدرالية موحدة.

المجالس الأولى تعكس المصالح ووجهات النظر المحليّة المختلفة للدول المؤلفة للكيان الفدرالي وللوحدات الإقليمية السياسية وتسهر على القرارات التشريعية للمجلس الثاني (الممثل للسلطة الفدرالية المركزية) لكي تحمي كياناتها ومواطنيها ضد أية إجراءات فدرالية فوقية أو مضرّة بمصالحها. والأمثلة كثيرة على الدول الفدرالية في العالم ويمكن الاطلاع على طريقة عملها وتنظيمها بالرجوع إلى النظام السياسي والدستوري فيها .

هل يمكن تطبيق مفهوم الديمقراطية في العراق ؟

أن العراق لم تكن به مشكلة في يوم ما فيما يتعلق بوجود نقص في موارده أو شحّة في ثرواته الأمر الذي يؤدي إلى الفتن والاقتتال كما يحصل في بعض الدول، بل إن محنته تتمحور بحق في طبيعة أنظمة الحكم التي أساءت استخدام مصادر السلطة والثروة بعيداً عن كل ما يمت إلى مبادئ العدل والأنصاف بصلة، وافتقاره إلى مؤسسات مدنية رصينة كان آخرها النظام الشمولي السابق والذي حوّل العراق بشعبه وأرضه وثرواته إلى ممتلكات تعود إلى عائلته أقطاعات توزّع على عشيرته فأساء بالنتيجة إلى نفسه ولكل العراقيين بمختلف مذاهبهم. ولم تكن من أولويات مشاكل المجتمع تلك الفسيفساء المتجانسة من القوميات والأديان، كما لم يكن الإنسان العراقي–حينما يكون متحرراً من الاعتبارات الحزبية والعشائرية والنعرات الانفصالية–حسّاساً تجاه التنوع العرقي أو الطائفي إذ طالما تعايش الجميع لمئات السنين تحت خيمة العراق الواحد، وتسنم مقاليد السلطة وتبّوء المناصب الرفيعة سواء في الإدارة أم في القضاء أفراداً من قوميات مختلفة، ولم يكن ذلك مثار جدل أو مدعاة مشكلة .

ومن الحقائق الدالة على هذا السياق أن عدد الســـكان العراقيين من أبناء القومية الكردية يشكلون نسبة أقل من أبناء جلدتهم في كل من تركيا و إيران على التوالي، وهاتان الدولتان لم تدخلا في قاموسهما السياسي مطلقاً الاعتراف أو حتى مناقشة ذلك على المستوى الإعلامي،أي الاعتراف بـ(القومية الكردية ).إلا إن القومية العربية ومن وحي مقوماتها الأساسية الإنسانية وخاصة في العراق، قداعترفت بكافة حقوق الأكراد ، متقدمة بذلك على دول الجوار بأكثر من 44 عاماً ، وذلك في جميع الدساتير التي صدرت منذ عام 1959 وأهمها قانون الحكم الذاتي رقم 33 لسنة 1974 ، وبقراءة سريعة لقانون الحكم الذاتي الذي كان مطلباً طالما حلم به الأكراد في ظل حكومات شوفينية فأننا سنرى أنه قد تضمن كافة الحقوق القومية والثقافية المشروعة للشعب الكردي، وإذا كان النظام السابق قد عطل بنود ذلك القانون فانه بالإمكان الآن وأثناء صياغة دستور جديد أن يكفل تفعيل ذلك القانون ويضمن تطبيقه.وهنا لابد من القول أن هذه الحقوق الممنوحة للقومية الكردية هي ليست منحة أو منّة من أحد،فالكرد مواطنون عراقيون أصلاً لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم في هذا الوطن، وهي لا تقل عن حقوق وواجبات العراقيين العرب أو بقية طوائف المجتمع العراقي.ولا أحد يستطيع أن ينكر مواقفهم الوطنية في انجاز استقلال العراق ، وما قدموه من تضحيات في إطار الحركة الوطنية لا تقل شأناً عمّا قدمته باقي القوميات الأخرى المتآخيه دون تمييز أو تفريق فالجميع شركاء في هذا الوطن وان معيار المفاضلة يكمن في التعبير عن الولاء  له والانتماء إليه .

وإذا كان الخطاب السياسي لمن كانوا يسمون أنفسهم مسبقاً بالمعارضة كان يستند على أساس رجم الحكم المستبد الدكتاتوري وإدانة ممارساته القمعية مما يستوجب الآن أن يعاد تفكيكه وتعاد صياغته لأن النظام السابق أصبح في ذمة التأريخ، كما وأن الظلم والاضطهاد الذي مارسه النظام السابق قد تم توزيعه بعدالة على جميع أطياف المجتمع العراقي بدون استثناء ويشهد قادة الأكراد أنفسهم بنزوح أعداد كبيرة من العوائل من مناطق الجنوب والوسط باتجاه الشمال هرباً من بطش الأجهزة القمعية للنظام السابق، أي أن الموقف من المعارضين لم يكن في الجنوب أقل منه وحشية عما هو في الشمال أو الوسط.لهذا يجب على القوى الوطنية العراقية الالتفات إلى مستقبل العراق من منطلق الحفاظ على هويته وبلورة ثوابته وعدم السماح بجني مكاسب يتم الحصول عليها في عراق محتل ،وأن لا تكون الفدرالية والمطالبة بمدينة كركوك الغنية بالنفط وترحيل العرب منها أساس للمساومة لأن من شأن ذلك الأضرار بالمصلحة النهائية للعراق الواحد الذي يتطلب الآن مقارعة العصبية القبلية أو التطرف الديني والطائفية والعنصرية والنزاعات الانفصالية التي تقف وراءها أطراف عديدة وإنما يجب إلغاؤها من قاموسه .

ووفق المقاييس والمعايير الموضوعية نلاحظ إن مطلب الفدرالية كما طرحت مشروعه وتصر عليه القيادات الكردية هو أقرب إلى الكونفدرالية واتحاد دولتين ذات سيادة منه إلى الفدرالية بين أقاليم دولة واحدة ، مما يثبت عدم ملاءمته لظروف شعبنا وتطلعاته المستقبلية .

وهي لا تعني المطالبة بها في ظل الظروف التي يمر بها القطر سوى تقطيع كيان العراق الجغرافي وتمزيق أواصر وحدته الوطنية وإضعاف عوامل هيبته السياسية ، فخطورتها تكمن في إن الدول الفدرالية إذا ما تفككت لأي سبب كان مستقبلاً فإنها ستنقسم إلى كيانات ودول جديدة على أساس المقاطعات الفدرالية المكونة لها سابقاً وهذا مالا يرضاه كل مواطن عراقي غيور .

 

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية