اليوفمزم : ضرورة للساسة العراقيين

الأستاذ وسيم الرجال *

بسم الله الرحمن الرحيم


من الشواهد على ثراء اللغة العربية كثرة المعاجم والقواميس وتنوع اختصاصاتها , فمعجم لغريب القرآن الكريم ومعجم للشواهد الشعرية وآخر للمترادفات أو المتضادات أو الأضداد. 

ونرى في المكتبات كتاب العين وأساس البلاغة  للزمخشري وفقه اللغة للثعالبي والفروق في اللغة للعسكري وغيرها من الآثار التي حفظت للغة العربية زخمها اللغوي القوي.  إلا أن انحدار الحضارة العربية وانهيار الكيان الثقافي الجامع وغلبة الوافد من العلوم والفكر أدى بشكل أو بآخر إلى تراجع في الجوانب الحضارية عموماً ومنها الجانب اللغوي .

  فلو تمت مقارنة بين الألفاظ المستودعة في كتب التراث العربي وبين ما يستخدمه العرب في العصر الراهن لأدركنا أننا أصبحنا عيالاً على حضارة غيرنا.  إلا أنني أشهد قوة لغوية لدى الساسة العراقيين – رواد المسرح السياسي – في استعمال الترادف اللفظي و المعنوي وتوظيف الأضداد , ولا عجب فالعراق لا يستكثر عليه ذلك.  

واليوفمزم (  Euphemism  ) مصطلح إنجليزي معناه لطف التعبير عن شيء بغيض, فربما أطلق على القصاب أو الجزار ( مصنف اللحوم ) ,  والزبال ( مهندس النظافة )  والبول ( السائل الأصفر )  والبغل ( ابن الحمار و الفرس)  والحمار ( الصابر )   والبخيل ( قابض اليد ) .    ويكون التعبير إما للظرافة أو للاحترام الخالص كقولنا للأعور ( كريم عين )

إلا أنه من غير المفهوم أن نطلق على الكلب ( شبيه الذئب ) إذ لا يشق على الكلب أن يكون كلباً و ابن كلبة  وأخو كلب وابن خال كلب, فلماذا نلطف التعبير؟    ومن غير المفهوم أن نطلق على الحليب ( عصير بقر )   أو نسمي الثلج ( ماء يابس ) فالماء لا يكون إلا رطباً- إلا في العراق فالحالة خاصة -

  والذي يؤكد خصوصية العراق أن نسمع  رواد العملية السياسية يستخدمون اليوفمزم بكفاءة عالية.   فالمجرم ( متجاوز للنظام )  والمعتقلين السياسيين ( الموقوفون لأسباب أمنية ) وقوات الاحتلال ( القوات متعددة الجنسيات)  والجرائم النكراء ( سياسات خاطئة ) و الكافر المعادي ( نظيرنا في الخلق )  و العمالة ( تنسيق مع التحالف ) والاعتداء ( عمل غير مقصود) والنهب والسلب ( إعادة إعمار )  و الألف ( عشرة فقط ).   وهذا لا ينطبق على جميع الأطراف المجرمة , فلطف التعبير ضرورة سياسية لجأ إليها من شخص أعداءه و أصدقاءه حسب ما يمليه هواه , وليس حسب مفهوم العقل والمنطق والدين.

  فنرى لغة السيد عبد العزيز الحكيم ثورية صلبة استعراضية تهيج المشاعر وتلهب النفوس غداة تشييع البدريين الثلاثة الذين قضوا تعذيبا على أيدي البعثيين ,  ونبرة الثبات والصمود والتحدي بلغت ذروتها- وهذا حق طبيعي لا خلاف عليه- ,  إلا أن السيد   ذاته يتحدث بتعقل ! ومنطقية ! وهدوء ! و يوظف اليوفمزم بجودة قل نظيرها عند الحديث عن سياسات السيد بوش الخاطئة.  فالباء لا تجر دائماً والعين لا ترى إلا ما تريد.    إن التفريق بين الاستبداد الصدامي والاستعمار الأمريكي ينبغي ألا يحوّل الأعداء إلى أصدقاء , والبصير هو من ينظر بكلتا عينيه ,  لا من يفتح عيناً ويغمض الأخرى .   

لكن الذي خرق كل الحدود وتجاوز ما يحتمله العقل والمنطق  تكرار الجعفري ثناءه وشكره في أكثر من مناسبة (لقوات التحالف) على ما تقوم به من جهد.  وإشادته بكوندليزا رايس و وصفها بالمتفهمة للوضع العراقي.  ربما قدم شكره الجزيل لأمور نجهلها فهو في عمق السياسة  ويتحرك في الدهاليز ويتشرف بزيارة البيت الأبيض ويتحدث مع كبار الحكام الفعليين للعراق , ويرى ما لا يراه الفرد العادي من قتل للأبرياء و اعتقال للمؤمنين ونهب للثروة وسحق للكرامة.  علينا إذن أن ننفذ إلى الأعماق لنرى ما يراه الجعفري وغيره ممن يرون الأمور من قرب. 

ولا يصح فهم ظاهرة تلطيف التعبير ( النفاق السياسي)  بمعزل عن الصفات النفسية المستحوذة على كيان الإنسان. إذ للشجاعة دور لا ينكر في انتخاب اللفظ , وللعقيدة القلبية وما تنطوي عليه النفس أكبر الأثر على ما يطلقه اللسان فخطبة السيدة زينب في وسط الأمويين لا تكشف قدرة لغوية وفصاحة عربية فحسب بل هي شاهد على ارتكاز الشجاعة والعزة والكرامة في نفسها الطاهرة.   وخوض الغمرات في الحروب لا يكشف عن مهارة أمير المؤمنين القتالية فقط بل يفصح عن استهتاره بكل ما سوى الله سبحانه وتعالى.
 

فالصفات النفسية والقيم المرتكزة في أعماق القلب والعقيدة بالإضافة إلى العقل هي ما يدفع الإنسان إلى انتخاب اللفظ وأسلوب التعبير لا العقل بمفرده.   إذن اللغة طوع العقل والنفس,  والنبرة تبعثها الحنجرة و والشجاعة  تضمها أضلاع الصدر.  ( حفظ الله الصدر وما انطوت عليه أضلاع صدره   )

 20 / 5 / 1426هـ