القرآن المهجور ( الحلقة الأولى )

الأستاذ محمد الشبيب *
القرآن المهجور ظاهرة قديمة حديثة، وهناك حالة من المد والجزر تعتري هذه الظاهرة على حسب اختلاف الفترات الزمنية وعلى حسب المجتمعات ووعي المثقفين فيها، هذا من جهة وضعف انتمائهم وارتباطهم بدينهم وقرآنهم من جهة أخرى.

  ونشير إلى نقاط مهمة تتعلق بهذا الهجران وأخطاره، خصوصا فيما يتعلق بالهجران الكلي أو الجزئي عند المثقفين، وتكمن أهمية هذه الظاهرة لأنها تتعلق بأهم عنصر وأهم دستور في حياة هذا الكائن الإنساني على هذه البسيطة ألا وهو القرآن الكريم.

 

 

                                                                                       مظاهر الهجران الفردي للقرآن الكريم

 

  على الصعيد الفردي تتعدد مظاهر الهجران للقرآن الكريم وتأخذ تلك المظاهر أشكال وألوان متعددة.

   فمن مظاهر الهجران للقرآن أولاً عدم مطالعة هذا الدستور والكتاب العظيم وقد يمر على الإنسان عشرات السنين وهو لا يعرف مثلاً  في أين تقع سورة الفاتحة والبقرة من هذا الكتاب الخالد ، كما سألني أحد الأخوة المتعلمين وهو يستفسر عن موقع هاتين السورتين مما أثار استهجاني وتعجبي وحزني على هذا الإنسان عندما يبتعد عن مصدره الأول في التوجيه والإرشاد والحياة ، وهذا بالطبع يدل على أنه لم يفتح هذا المصحف ربما طيلة حياته ، لأن هذه السور هي أول صفحات تلي الغلاف مباشرة في المصحف فهل من المعقول لشاب مسلم يدعي بأن هذا كتابه أن يسأل مثل هذا السؤال ، والكثير منا يعلم عن أفراد كثيرين لا يعرفون هذا المصحف إلا في شهر رمضان.

 

  ومنها أيضا ( أي من أشكال الهجران الفردي )عدم الاستماع لآيات هذا الكتاب ، فقد يمر على الإنسان منا سنوات ولا يذكر أحدا من القراء أو طريقة القراءة أو آيات استمعها ، بل ربما لو استمع إلى إحدى المحطات أو القنوات التي تذيع تلاوة القرآن لسارع في تغيير المحطة مدعيا بأنه يبحث عن أشياء مهمة في هذه الحياة ، وليس هذا القديم الممل الذي لا يفيد الإنسان في شيء والعياذ بالله .

 

  ومن تلك المظاهر أيضاً وعلى فرض أن هذا الإنسان يطالع هذا المصحف ، أنه لا يعرف كيف يقرأه بصورة صحيحة تجعله يتعلق بهذا الكتاب ويكون صديقه وسميره أناء الليل وأطراف النهار ، ويؤدي عدم تعلم القراءة الصحيحة عدم الرغبة للمداومة على مطالعة هذا الكتاب لأن هناك حاجزا بينه وبين معرفة كلماته قراءة فكيف معرفتها معان وأفكار وأهداف ، والغريب أن لا يجد هذا الإنسان حاجة لتعلم القراءة متعذرا بكبر السن أو الثقافة الواسعة التي يمتلكها ، رغم أن الحديث عن النبي الأكرم يقول  : (ينبغي على المؤمن أن لا يموت إلا وهو متعلم للقرآن أو يكون في تعلمه ).

 

  ومن أشكال الهجران أيضا إذا فرضنا أن هذا الإنسان ممن يداوم على مطالعة هذا الكتاب ولكنه للأسف لا يعرف حتى معنى سورة واحدة منه ، فهو يقرأه للبركة فقط والمهم أن ينهي ختمة كاملة في أسرع وقت ولا يجد نفسه محتاجا لمعرفة حتى معاني الألفاظ حتى لأقصر السور وأكثرها تكرارا على لسانه كسورة الفاتحة والإخلاص والفلق والناس على سبيل المثال.

 

   وأما الجانب الأكبر في مظاهر الهجران للقرآن الكريم على الصعيد الفردي فهو ما يتعلق ببناء الثقافة والفكر والسلوك على ضوء هذا القرآن العظيم من خلال تدبر آياته والتفكر في جواهره ومن ثم السؤال الدائم لكل مثقف ؟ هل الثقافة التي امتلكها والسلوك الذي أتخلق به وأعمل به مطابق لمفاهيم القرآن الكريم وهل بنائي الفكري والعقائدي هو صورة منعكسة لترجمان القرآن وهم النبي الأكرم والعترة الطاهرة .

وبعد ذلك يجب أن يكون ما يكتبه هذا المثقف أو ذاك (سواء كان أديباً أو سياسياً أو علمياً أو اجتماعياً أو ... ) هو عصارة وخلاصة لمفاهيم القرآن ومقاصده وذو طابع قرآني سواء في الألفاظ أو الشواهد أو الأفكار.

وهذا نادر جدا عند الكتاب الإسلاميين فكيف بغيرهم.

 

  وهنا نوجه الدعوة إلى المثقفين وتحملهم لرسالة القرآن وذلك يكون بداية بالبحث الدائم في التفسير وعلوم القرآن والسنة المطهرة وسؤال المختصين وفتح الحوار معهم في كل ما يتعلق بمفاهيم القرآن وأسسه وأصوله سوا كان ذلك متصل في عالم الأفكار أو العمل.

 

عضو اللجنة الإشرافية بمركز القرآن الكريم بأم الحمام