فخ الأنا الخفي ا
تبدأ رحلة الصعود دائماً بخطوات هادئة، يملؤها الجد والاجتهاد. هكذا يروي لنا أحد الشخصيات الدينية المرموقة حكايته؛ من رجل لا يكاد يُلحظ في الزحام، إلى منارة يُشار إليها بالبنان، ومكانة تُفتح لها الأبواب المغلقة. ولكن، في طيات هذا الصعود، تكمن واحدة من أخطر العقبات التي تواجه النفس البشرية: آفة الغرور.
من التميز إلى فخ الأنا
عندما يبذل الإنسان جهداً في العلم والتعلم، يمنحه الله قبولاً واحتراماً في قلوب الناس. هذا الاحترام ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة للتأثير والإصلاح. إلا أن صاحبنا يصف تحولاً خفياً حدث في نفسه؛ فبعد أن كان يسعى للعلم، أصبح يترقب "التعامل الخاص" في الأسواق والدوائر الحكومية.
تسلل الغرور إلى قلبه حتى صار يتذمر إذا لم يُقدّم على غيره، وكأنّ المكانة الدينية أصبحت صكّاً للسيادة على الخلق، لا تكليفاً لخدمتهم. وهنا تكمن المفارقة: أن يغتر الإنسان بالدين، وهو الذي جاء ليهذب الأنا لا ليضخمها.
الرؤيا: حين تنكشف الحقائق
في لحظة من السكون، وبينما كان يقلب صفحات كتاب، غفت عينه ليرى الحقيقة التي غيبتها الأضواء. وجد نفسه في صحراء قاحلة لا نهاية لها، حيث لا وجاهة، ولا ألقاب، ولا حشود تصفق أو تُفسح الطريق.
وفجأة، رأى أمامه ما يشبه مرآة هائلة تعكس صورته الحقيقية مجردة من كل زيف. رأى "مُحضر" عمله: كل كلمة قالها رياءً، وكل خطوة مشاها طلباً للثناء، وكل تذمر من عدم التقديم قد تجسد كوميض خافت يخبو أمام سؤال الحساب. في تلك البرزخية، دوى في وجدانه صوت الحق متمثلاً في قوله تعالى:
"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ"
(آل عمران: 30)
كانت هذه الآية هي الميزان الذي أعاد الأمور إلى نصابها. ففي عالم القيامة، تذوب الفوارق الاجتماعية وتتلاشى الهالات الدينية المصطنعة، ليبقى شيء واحد فقط: العمل الصالح الخالص.
وإنَّ كل ذلك رهن التقوى
"إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" (المائدة: 27). آية قرآنية حكيمة، تُبين أن شرط قبول الأعمال والصدقات هو التقوى، أي إخلاص النية لله، وتجنب الشرك والرياء، وطيب النفس. وردت في سياق قصة ابني آدم، حيث قُبل قربان هابيل لتقواه، ولم يُقبل من الآخر لعدمها، ما يؤكد أن القبول يكون بامتثال الأوامر واجتناب المعاصي.
دروس من قلب التجربة
إن قصة هذا الشخص ليست مجرد مذكرات شخصية بل هي مرآة لكل صاحب مكانة ومنها نستلخص أن المكانة أمانة لا تشريف فالاحترام الذي يلقاه العالم أو غيره هو قرض من الله ليؤدي رسالته وليس ملكاً شخصياً ليتباهى به وهنا يكمن خطر الاستحقاق الزائف حين يبدأ الإنسان بالتبرم لعدم تقديمه على الآخرين فهذه علامة خطر تشير إلى أن قلبه بدأ يمتلئ بالخلق ويفرغ من الخالق وفي الختام ندرك أن العمل هو العملة الوحيدة ففي مشهد الحشر لن يُسأل المرء عن عدد مريديه أو عدد الأبواب التي فُتحت له بل عن إخلاص قلبه في محضر الخير والسوء.
خاتمة: العودة إلى المحراب
استيقظ صاحبنا من رؤياه وقد أدرك أن أصعب جهاد هو جهاد النفس بعد بلوغ القمة. إن العظمة الحقيقية لا تُقاس بمدى انحناء الناس لك، بل بمدى انحناء قلبك وتواضعه لمن وهبك هذا القبول. فالسعيد من جعل مكانته الدينية جسراً للآخرين نحو الله، لا جداراً يحجب عنه رؤية حقيقة نفسه الفقيرة لرحمة ربه.
وتذكر جيداً بأن الغرور الخفي قد يصيب كل واحد منا، فعلينا الحذر كل الحذر من ذلك، ولله العصمة.
شيخ عادل آل جوهر
