التوبة وثقافة الاعتذار
يحفل القرآن الكريم بالآيات التي تدعو إلى التوبة كفرصة للإنسان العاصي للعودة إلى ربه واستنقاذ نفسه من ذنوبه وآثامه. فالله تعالى يؤكد على أنه التواب الرحيم في أكثر من آية، كقوله تعالى: *(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)* مستعملا صيغة المبالغة للدلالة على توبته على العبد مرة بعد أخرى، فلا ينبغي له أن ييأس من النجاة حين يوشك على الغرق في ظلمات محيطات المعاصي، إذ يأتيه النداء القرآني: *(قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)*.
وقد حثّ القرآن على التوبة ورغّب فيها بأساليب مختلفة، منها:
أولا: بيان محبوبيتها الأكيدة عند الله تعالى: *(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)*.
ثانيا: بيان أنه تعالى أوجبها على نفسه رحمة بعباده: *(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)*.
ثالثا: بيان خيريتها المطلقة على الاستمرار في طريق الخطايا: *(فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)*.
رابعا: بيان آثارها العظيمة على الفرد والمجتمع من كسب مغفرة الله ورحمته: *(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)* وتحصيل الحياة السعيدة: *(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)* ونزول الغيث وتضاعف القوة: *(وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)* وتبديل السيئات حسنات: *(إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ)* والكون من أهل الفلاح: *(فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ)* وأخيرا الفوز بالجنة، وكفى بها جائزة: *(إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً)*.
خامسا: التحذير من مصير المعرضين عنها: *(فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ)*.
سادسا: جعل الأسباب المؤدية لقبول التوبة: *(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)*. ويقول: *(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ)*.
سابعا: الدعوة للقبول الاجتماعي للتائبين: *(وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً)*.
إن كل هذا الحث والترغيب في التوبة يدعونا لوقفة مع ذواتنا لنعرف أين نحن من ممارسة هذا الخلق العظيم مع بعضنا البعض حين يخطئ أحدهم بحقنا، ثم يأتي معتذرا مبديا ندمه وأسفه، فهل نمنحه فرصة الاعتذار والتصحيح؟ أم نقطع عنه السبيل بالصدود والهجران؟
لنتأمل في التالي:
عن النبي
: *"مَن أتاهُ أخوهُ مُتَنصِّلًا فَلْيَقبَلْ ذلكَ مِنهُ، مُحِقّاً كانَ أو مُبطِلًا، فإن لَم يَفعَلْ لَم يَرِدْ عَلَيَّ الحَوضَ"*.
وعن الإمام الصادق
: *"أنقَصُ النّاسِ عَقلًا مَن ظَلَمَ دُونَهُ، ولَم يَصفَحْ عَمَّنِ اعتَذَرَ إلَيهِ"*.
ويقول الإمام زين العابدين
في دعائه فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ تَبِعَاتِ الْعِبَادِ ومِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمْ: *"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْه، ومِنْ مَعْرُوفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْه، ومِنْ مُسِيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْه"*.

أديب وكاتب وباحث في علوم اهل البيت عليهم السلام