شعوبنا العربية.. وسياسة القهر


أمتنا العربية أمة من حقها أن تحيى وتعيش كباقي الأمم حياة عزة وكرامة تبني من خلالها حاضرها ومستقبلها.

ومن هنا كان يجب أن تحاول جاهدة النهوض بالمستويات الفكرية والثقافية لأبنائها وأن تفتح أمامهم الطريق لتحقيق ذلك ونيله وتوفير الآلية المتيحة له.

وعلى من بيده توفير تلك الآليات والوسائل العمل على إيجادها كلما أستطاع إلى ذلك سبيلا، أو على أقل التقادير عدم حرمان من حصل عليها منها أن وجدت وإن لا يعمل على طمسها وإخفائها وإن لا يستبد أو يتفرد في اتخاذ الرأي بشأنها فأن فعل هذا فقد عمل على قهر مَن مِن المفترض أن يحصل عليها وما أكثر القهر وأنواعه في عالمنا العربي وما أكثر شواهد ه وممارساته – وإليك شيئا من نماذجه:-

  • 1-   القهر التعليمي:

من ذلك تعنّت بعض الجامعات في استقبال بعض الطلاب بحجة النسب المطلوبة وربما هناك يحملون مبرر- إي الجامعات- وهو كون الجامعة تريد أن تخرج طلبة أكفاء من الحاصلين على النسب العالية التي تخدم تخصصهم مستقبلا ونحن نرد ، وطلاب (( الواسطة)) ما المبرر من قبولهم؟! ، أليس في هذا قهر تعليمي واستبداد بالقرار؟.

ثم مسألة تعقيد المدارس في قبول الطلاب وطلب أوراق لا تمت لقبول الطالب بالمدرسة بأي صلة ، أليس فيه تنفير لولي أمر الطالب من تسجيل ابنه في المدرسة ولاسيما إذا كان ولي أمر الطالب لا يعي دور المدرسة بشكل تام أو جيد على الأقل وبالتالي ينفر من تسجيل ابنه حتى تتشكل عندنا نحن العرب ( أكبر نسبة أمية في العالم )(1) ، وحتى يبقى عندنا ( أكثر من 6 مليون طفل خارج المدارس)(2).، ولنعلم عموما أن ( ثلث العرب أميون)(3). ونرجع لنسأل من جديد أليس في هذا قهر تعليمي.

  • 2-   القهر الثقافي:

وبطبيعة الحال إذا كان هناك قهر تعليمي فمن الطبيعي أن يكون هناك قهر ثقافي لأنه متولد منه.

فأن قلّت العناية ومحاصرة التعليم وقهره تجعل الثقافة ليست ذات عناية كبيرة كما هي عند الغير ، بل على العكس ، فعندنا تتم مصادرة الكتب التي هي تشكل روح الثقافة وقلبها النابض بل يتم منعها بحجة أو بأخرى ، ويكون ما يكون من الرقابة عليها سواء في معارض الكتاب أو غيرها وكأنهم لا يعلمون بأن الكتاب عالمي الوطن.

فمن هذه المصادرة ومن هذا المنع ومن هذا القهر تتولد قلت القراءة عند الفرد العربي ففي تقرير من منظمة (( اليونسكو)) يقول أن العربي يقرأ ست دقائق في السنة فقط وأن في الوطن العربي يصدر كتاب واحد لكل 350 ألف مواطن.

وأما على المستوى الطبع هناك قهر للثقافة وللكتاب على وجه الخصوص، ففي الوقت الذي تطبع فيه المؤلفات الأوربية والأمريكية وتباع ملايين النسخ منها وتصرف من أجلها الملايين كما فعل تاجر بريطاني حيث طبع كتاب للأثرياء الروس بـ 6 ملايين دولار(4).نظل نحن العرب نطبع1000أو 2000 نسخة ولتبقى على الرفوف يعثوها الغبار، وتذهب الأموال والأوقات والاهتمامات لمن أهم أقل شأنا ووزنا علميا واجتماعيا من الكتّاب والمثقفين.

ومن أجل هذا تهاجر عقولنا ومفكرينا إلى  خارج أوطانهم لينشروا علومهم فهجرة أكثر من 35 مليون عربي ليست بمستغربة (5). وأن اختلف سبب الهجرة وهنا يكمن القهر القسري.

  • 3-   القهر الاقتصادي:

ونأتي إلى القهر الاقتصادي فهو لا يقل خطورة عن ما عداه – فمنه يكون القهر والحرمان الحقيقيان للإنسان ولا سيما مع غلاء المعيشة وما يحدث في بعض الدول العربية اليوم وبالخصوص مصر ولبنان ومسألة غلاء الرغيف منذ بضع شهور في لبنان وبضع أيام في مصر، وتدني مستوى الدخل للفرد في البعض الآخر من الدول العربية فعلى سبيل المثال في لبنان دخل الفرد السنوي لا يتعدى 1430دولارا حسب أرقام عام (1994م). (6). بينما في جيبوتي لا يتخطى 1000دولارا(7).

ومستويات الدخل المتدنية هذه تتنج وتسفر عن الفقر والبطالة وبالتالي حتى إلى التسول أن استدعى الأمر والشيء الغريب أن هذا الأمر(إي التسول) حاصل حتى في الدول الغنية والأغرب من ذلك إن(في السعودية 58,2% من المتشردين والمتسولين من مواليد المدن)(8).

ولو وسّعنا الدائرة قليلا على مستوى دول الخليج ( فإن 80 ألفا من أطفال الشوارع في الخليج يحترفون التسول والبيع عند الإشارات)(9).

وفي مصر هناك 15 مليون يعيشون تحت خط الفقر (10).

أما على مستوى العالم فيظل القهر الاقتصادي ينذر بعواقب وخيمة حيث أنه في العام 2020م هناك 8،2 بليون شخص لن يشبعوا (11).

ولو رجعنا إلى الوراء قليلا نجد في المقابل أن( مدينة الرياض وحدها تتم نظافتها شهريا بحدود 15مليون ريال (12).

فلو صرف جزء من هذه الأموال على هؤلاء أو أمثالهم من المتشردين والمتسولين...

وهنا يأتي سؤال من المتسبب في قهر هؤلاء اقتصاديا؟

وختام القهر الاقتصادي في البطالة والتي تعتبر أم المشاكل على المستوى الاقتصادي لأصحابها وهم يفكرون كيف يحصلون على لقمة العيش وفي سبيل الخلاص من هذه المشكلة.

والحقيقة أن الأرقام ليست بالسهلة مما يجعل الخلاص منها ليس باليسير ويحتاج إلى وقت ليس سهلا ، فهناك استطلاع يقول بأن 78% من الفتيات في محافظة جدة وحدها عاطلات(13) وإن 64,5% من العاطلات جامعيات(14)، أما المجتمع الذكوري فحدث ولا حرج.

  • 4-   القهر الاجتماعي:

وأخيرا إلى القهر الاجتماعي فهو حساس في مسألة بناء الأسرة وتكوينها وغالبا ما يقع القهر الاجتماعي من الوالدين على أبنائهم أو من الأزواج على أزواجهم فعدم وجود ثقافة اجتماعية كافية لدى الزوج أو الزوجة في بناء الأسرة يتسبب في الغالب إلى إحداث قهر اجتماعي وبالتالي يوصل إلى ما لا يحمد عقباه من نتائج بسبب ذلك، كالطلاق مثلا وقد كثر ذلك في عالمنا العربي بشكل عام ومجتمعنا السعودي بشكل خاص ، ولو تكلمنا بلغة الأرقام فإن 20% نسبة الطلاق في عام 2007م بين السعوديات (15). ومعدلات الطلاق أيضا في السعودية ارتفعت من 25% إلى 60% خلال الـ 20 سنة الماضية(16).    

أما في مصر تحدثنا الأرقام بأن نسبة الطلاق 1,4لكل ألف (17).

وهذا ناتج أما عن إيقاع القهر الاجتماعي من قبل الزوج على زوجته ، أو ربما من ضحالة الثقافة الزوجية بينهما ، فقد أوردت دراسة بأن 95% من السعوديات في حاجة إلى ثقافة زوجية ( 18).

ونتوقف مع مسألة العنف الأسري التي بدأت تأخذ مداها هذه الأيام والتي تمثل وتجسد القهر الاجتماعي وكم طالعتنا الصحف وغيرها بقضايا عدة في العنف الأسري وبالتحديد فأن هناك 1400 حالة عنف أسري في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية في قضون 3 سنوات (19).

مما يدلل على أن العنف الأسري والقهر الاجتماعي واقع في مجتمعاتنا. والسؤال متى يعي المسؤول حقوق مواطنيه ومتى يدرك الفرد العربي حقه وحق أخيه العربي.


(1)- صحيفة الحياة- العدد 16392- الأربعاء 13\صفر\ 1429هـ
(2)- نفس المصدر
(3)- صحيفة الحياة- العدد 16349- الثلاثاء 30\ذو الحجة\ 1429هـ
(4)- صحيفة الحياة -العدد 16213- السبت 12\شعبان\1428هـ
(5)- صحيفة الحياة- العدد 16316- الخميس 26\ ذو القعدة \ 1428هـ
(6)- الموسوعة العربية العالمية- ج21ص69- مجموعة من الباحثين- ط2، 1419هـ.
(7)- موسوعة المسابقات الثقافية - ص204- أبو عبدا لرحمن عبدا لله القارئ- ط5، 1421هـ.
(8)- صحيفة الوطن السعودية – العدد 2478- الجمعة 28\جمادى الآخرة\ 1428هـ
(9)- صحيفة الحياة – العدد 16256- الأحد 25\ شهر رمضان \ 1428هـ
(10)- أرقام مخيفة – ج2ص110- دار طويق للنشر والتوزيع- ط1، 1424هـ.
(11)- صحيفة الحياة – العدد 16221- الأحد 20\ شعبان \1428هـ
(12)- صحيفة الجزيرة- العدد 12065-الاثنين 7\ شهر رمضان\ 1428هـ
(13)- صحيفة الحياة – العدد 16359- الجمعة 10 \ محرم \ 1429هـ
(14)- صحيفة الحياة – العدد 16382- الأحد 3 \صفر\ 1429هـ
(15)- صحيفة الحياة- العدد 16226- الجمعة 25\ شعبان \ 1428هـ
(16)- صحيفة المدينة – العدد 16395- الخميس 5 \ ربيع أول \ 1429هـ
(17)- الموسوعة العربية العالمية – ج23ص312.
(18)- صحيفة الحياة – العدد 16226.
(19)- صحيفة الحياة- العدد 16352- الجمعة 3\ محرم \ 1429هـ