الأمن أم الحرية ؟! (1)

منتظر الشيخ أحمد

كان للإسلام فضل السبق في إعلان مبدأ المساواة في الحقوق والتكاليف العامة وفي إظهار الحقوق والحريات بصفة عامة في القرن السابع ميلادي حيث حدد حقوق الإنسان والحريات الأساسية ووضع الضمانات الكفيلة بحمايتها وقد كان السباق في ذلك قبل غيره إذ وجدت أساسها في القرآن الكريم وفي تعاليم العترة الطاهرة، وقد تولى الفقه الإسلامي بيانها وتوضيح مفهومها ومضمونها وتحديد نطاقها كما أنها وجدت الحماية الكاملة في التطبيق العملي خاصة في العهد النبوي الشريف و فترة عودة الخلافة السلطوية إلى وصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
 
لقد جاء الإسلام ليرفع الإصر و الأغلال عن الناس (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف الآية 157) و يرسخ دعائم الحريات، و يعتق رقاب الناس من ذل العبودية لغير الله، و يحفظ كرامة الإنسان (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) .
 
و لضمان حفظ الكرامة الإنسانية فقد شرع الفقه الإسلامي قوانين تضمن حرية و أمن الإنسان، حيث يرى الفقهاء أن كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته، ولا يحق أخذ الاعتراف من أحد بالإكراه والإجبار، والضرب والتعذيب وما أشبه ذلك، كما أن الفقه الإسلامي رأى عدم جواز تفتيش عقائد الناس، فكذلك لا يجوز للسلطات الحاكمة التفتيش عن سائر شؤونهم، فإذا كان رجل مع امرأة ـ مثلاً ـ فلا يفتش عن أنها هل هي زوجته أو ذات محرمه أو لا، لأن الأصل في كل فعل من أفعال الإنسان مُسلماً أو غيره، هو: أن يحمل على الصحيح.
 
لقد تلاعبت الدول المستبدة بالكثير من الحقوق الإنسانية، و سلبت منها الكثير تحت مسميات عديدة كان أبرزها (الأمن) فبسم الأمن يكون الإنسان عرضة للاعتقال في أي لحظة و يدخل في دوامة من المعاناة و (البهدلة) لا حصر لها، و يتعرض خلالها إلى أبشع و أقصى درجات سحق الكرامة الإنسانية.
 
فحدوث جريمة ما صغيرة كانت أم كبيرة قد تعرض العشرات من المواطنين إلى السجن و التعذيب، و قد يكون التعذيب نفسي أو جسدي و قد يصل في أسوأ الأمور إلى العنف الجنسي، و يصل الأمر لاعتراف العشرات تحت ضغوط التعذيب بنفس الجريمة و بسيناريوهات مختلفة و غير متطابقة وذلك طبعاً للتخلص من حفلة التعذيب و إن كانت بالاعتراف بجرم لم يقترفه.
 
فالذريعة (بالأمن) كانت أحد أبرز أسباب اكتضاض سجون العالم الإسلامي بمئات الشبان المؤمنين المعارضين لأنظمتهم سلميا، و تعرضهم لشتى أنواع صور التعذيب، و لعل القليل الذي خرج من قصص سجن الطاغوت العراقي المقبور و نظام الشاهنشاه الهالك في إيران يبرز فداحة القسوة التي يرتكبها الحكام المستبدين ضد رجال الحق ودعاة الإسلام.
 
و حيث مازال الاختلاف بين درجات أهمية (الحرية) و (الأمن) حيث يضع هرم مراتب الحاجات ماسلو ترتيب الأمن قبل الحرية، يرد الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون "إنّ الدولة التي تتخلى عن الحرية من أجل الأمن تفقدهما معاً".
 
و لكي نصل إلى نتيجة في تحديد الأهمية علينا الوقوف للتعريف بأهمية أدوار كل من (الدولة و الأمن و الحرية) لنصل إلى جواب سؤالنا ( الأمن أم الحرية؟!).