شاي أو قهوة؟

شبكة مزن الثقافية السّيد مُحسِن المُدَرسي
سماحة السيد محسن المدرسي
سماحة السيد محسن المدرسي

من يتحكَّم بالمقدمات،يتحكَّم مسبقاً بالنتائج.. هكذا يقولون.

والمثال المعروف: لو قدم بيتك صديقٌ، فقلت له: شاي أو قهوة؟ فإنَّك قد حددت خياراته مسبقاُ، بحيث لا يكون له إلا ما اخترتَه له سلفاً.. لكنَّه مع ذلك سيشعر بأنه اختار عن إرادةٍ حرة تماماُ، و ذلك هو "وهم الحرية".

وهذا المثال ينطبق على مئات الحقول المختلفة في نمط الحياة الحديثة، تلك التي توجِّه قراراته في اتجاه معين.
..

هذا ما يقولونه، لكني أقول:

لا شك أن التحكم في البيئة ينتج عنه "مقداراً" من التحكم بقرارات الفرد. .. وكثيرة تلك الدراسات التي تحاول التحكم بقرارات الفرد من خلال التلاعب بتلك البيئة.. خصوصاً في حقل الاقتصاد و الدعاية.

لكن السؤال المهم: هل أن  تلك التأثيرات "حاسمة" بحيث تلغي قدرة الفرد على مواجهتها؟ 

بالطبع واليقين كلا.

فمهما كانت تلك العوامل كبيرة، إلا أنها تصطدم بصخرة "الإنسان" وارادته الحرة في اتخاذ القرارات.. فكل ما ذكر لا يعدو كونه "عامل ضغط" غير قادرٍ على كسرٍ الإرادة الإنسانية.

والمثال التالي يكشف ذلك:

حدث أن حاولت تجربة فكرة "ماذا تريد، الشاي او القهوة؟" في التحكم بسلوكيات طفلتي الصغيرة ذات الأعوام الخمسة. 

فحين كان يمر موعد نومها، وكانت ترفض الخلود الى النوم بكل اصرارٍ، اأخيِّرها قائلا: 
"بابا، شنو رأيچ؟.. الآن تنامين لو بعد ربع ساعة" 

فكانت الإجابة في اليومين الأولين: بعد ربع ساعة.
فكانت الحيلة ناجحة.

لكن في اليوم الثالث حصل ما لا أتوقعه.

فحين قلت لها العبارة المألوفة : "بابا، شنو رأيچ؟.. الآن تنامين لو بعد ربع ساعة" 
أجابتني ببراءة الطفولة وبراعتها: 

"بابا، شنو رأيك.. ولا واحد؟!!!

هنا التفتً  الى أن هذه الطفلة الصغيرة عرفت بفطرتها، أنَّ لها خياراً ثالثاً - غير مذكورٍ- ، وهو  عدم الانصياع اساساً للخيارات المقدمة لها.. والتخلص من الرؤية النَفَقية "Tunnel vision" المحددة خياراتها سلفاً.

والمهم: إذا كانت الطفلة دون الخامسة، قادرة على اكتشاف هذه الحرية، فنحن ايضاً قادرون.. في حياتنا كلها، وفي كل حقولها: في السياسة والاقتصاد و الفن و الرياضة.
حيث نواجه بكل إصرار محاولة حصرنا في دائرة ضيقة، أو نحت أفكارنا او تشكيلنا في اتجاه محدد.
..
واذا كان التأثر بالخيارات المحددة سلفاً، ينبع من عاملين: جهل الإنسان وضعف ارادته.

يكون عكسه صحيحاً: 

 كلما كان المرء اكثر وعياً، صار اكثر حريّة

وكلما كان اكثر حرية.. كلما كان أقرب الى حالته الإنسانية الحقيقية:

التحرر من كل العبوديات، بمختلف اتجاهاتها والسير نحو العبودية الحقيقية الواحدة: لله الواحد القهار