على ضفاف نقد العهد القديم لــ زالمان شازار


قيل قديما: بأن توضيح الواضحات من الفاضحات، وأقول: بأن تلخيص الملخصات من المستحيلات.

     لاختياري عرض فكرة كتاب "نقد العهد القديم" سؤال أثير في نفسي، فعقلي لا يستطيع التصديق بنظرية الطفرات العلمية، وكنت أقول ولا أزال أكرر فكرة ذكاء السياقات العلمية والتي يستثمرها بعض العباقرة فيعجلوا بالكشف العلمي قبل أوانه الطبيعي، فلو لم يقل " إينشتاين " بالنسبية لقالها من أتوا بعده كثمرة طبيعية لتطور حقل الدراسات الفيزيائية، وهذه قناعتي حتى هذه اللحظة. 

     من خلال هذه الأطروحة المبنية على ذكاء السياقات، والمتنكرة لفكرة القفزات والثورات العلمية النابتة دون جذر، كنت أسأل دوما وبتعجب واستغراب من أين أتت كل هذه المسائل الوافرة في مدونة علوم القرآن؟! هل نبتت فجأة ؟! محال ذلك على الأقل في نظري. ولأن إجابة هذا السؤال بصورة علمية تقتضي البحث الجاد في عدة فروع معرفية وعلمية، أهمها علم الكلام لا من حيث أدلته وبراهينه فحسب، بل من خلال تطور هذه البراهين والأدلة، ونشأتها وتطور مناهجها البحثية وتفريعات مسائلها، وبالطبع فإن لعلوم اللغة بكل فروعها نصيبا واسعا في الإسهام في تطور مدونة علوم القرآن أيضا، ومن نافلة القول أن نقرر ضرورة أن تتربع كتب التفسير على رأس المشهد.

     في الحقيقة لم يجتذبني السؤال بالقدر الكافي لكي أيمم عقلي صوبه رغم ما فيه من لمعان وبريق، لكنني ومن حيث أريد أو لا أريد وجدتني واقعا في حبائله؛ فحينما كنت ولا زلت بطبيعة الحال أبحث في مسألة النص القرآني كنت أشعر بتشويش واسع في حقل البحوث القرآنية الاستشراقية، وكنت أسأل من أين يأتي كل هذا التشويش ؟ وكأي قارئ كنت أضع التوقعات؛ فأقرر تارة بأنه تشويش طبيعي، فهو علم ناشئ في المدرسة الاستشراقية وبالتالي لم ينضج بعد، ولم تختمر أفكاره بصورة كافية لكي يتشكل هيكله البحثي وتصنف مسائله وأبحاثه بطريقة أكاديمية ممنهجة. ولكني في أحيان أخرى سيما بعد أن أقرأ أبحاثا تتعمد صناعة التشويش مع سبق الإصرار لتصل إلى غاياتها المرسومة سلفا أجدني قد ملت إلى نظرية المؤامرة؛ فأتّهِم رواد الحقل بقصدية التشويش تكثيرا منهم للمسائل عبر تجزئتها وتفتيتها إلى مئات الأسئلة إخفاء منهم للمنهج البحثي المتبع من جهة، واصطناعا لمشهد مضخم وكأنه يضم مئات الإشكالات من جهة أخرى. 

     في أثناء رحلتي وبعد اكتشافي لهذا التشويش الواسع في حقل القرآنيات الاستشراقية عكفت مدة طويلة على تصنيف الأسئلة والبحوث، وأعدت ترتيبها في بناء منهجي أكاديمي متماسك، إلا أن الأسلوب العلمي الحذر كان يلح علي بلا هوادة للكشف عن سر تشويش الحقل فلعلي ألتقي في بحثي بأسباب هذا التشويش ما يدعم بنيتي المنهجية المقترحة، أو يطورها، أو يزيحها بالكامل ليتم استبدالها بأخرى أفضل منها وأنجع، ولهذا لم أتمكن فعلا من مغادرة الفكرة.

     حينها قررت أن استطلع الأمر كما تفعل السرايا في الحروب قبل أن أقحم نفسي فيما لا قبل لي به، وقد وجدت في مكتبتي ما يسهل هذا الاستطلاع من كتب دارت موضوعاتها حول علم الكلام وتاريخه، ولكني وبتوفيق من الله قررت أن أقرأ ثلاثة كتب كانت بين يدي قبل الشروع في الكتب الكلامية، و هي "نقد العهد القديم" لـ زالمان شازار و "نقد التوراة " للدكتور أحمد هويدي وكتاب جيمس فريزر "الفلكلور في العهد القديم" قرأت هويدي وفريزر أولا، لكني حين شرعت في قراءة شازار انكشفت أمامي الأسباب الطبيعية لتشويش حقل القرآنيات، وأسفر الصبح عن وجهه جليا سيما لما اقتربت نهاية الكتاب وبدت تميل أوراقه نحو الغروب، حيث كان غروبا ساحرا  بدت شمسه ساطعة جدا، فقد انكشف من خلال قلم زالمان شازار وهو يتجول بي في تاريخ تطور الدراسات النقدية للعهد القديم منذ بداياتها الباكرة حتى نضجها وتشكلها في صورة علم بأن هذه الدراسات النقدية كانت قد مرت بأطوار متعددة، وكانت تمر بفترات من القوة والضعف، كما أنها كانت تسير بسرعة تارة وببطء تارة أخرى، مضافا لهذا كله كانت جغرافية الأبحاث والباحثين في مجال نقد العهد القديم متباعدة؛ فالباحثون من أقطار شتى وإمكانات متباينة وتخصصات مختلفة وانتماءات متعاكسة، والأبحاث أتت وفق قياساتهم؛ فتارة تبحث عن مصادر العهد ومرة في شعريته وأخرى في لغته وأدبه ورابعة في متوازياته البابلية وخامسة في فترات تشكله وسادسة في تاريخ شعبه، وكانت هذه الجغرافية بباحثيها وبحوثها تتقدم مرة وتتأخر مرة أخرى، ويغلق بحثها ساعة ويعاد فتحه ساعة أخرى؛ إما لوجود باحث جديد أو لاكتشاف لم يسبق الاطلاع عليه، ومن هذه الخلفية المرتبكة والمشوشة ولدت بحوث القرآنيات الاستشراقية فكانت صدى طبيعي لتشويش حقل البحوث النقدية في العهد القديم، وقد قام زالمان بتحرير تاريخي رائع جدا في تتبعه للنمو الطبيعي لبيئة هذا النقد، وكان تتبعا تاريخيا للنقاد أكثر من كونه تتبعا موضوعيا للأفكار والنقود، فالقارئ لهذا الكتاب يحتاج للكثير من الصبر والحذر، كما أن عليه الاستفادة منه كمرشد يؤرخ لأقوال النقاد مع تقديم إشارات عابرة حول اشتغالاتهم ومناهجهم، ولكنه أبدا لا يشير لمدارسهم النقدية بوضوح، كما أنه لا يشير إلى قواعدهم النقدية؛ مما يجعل استخلاص الفوائد صعبا وعسيرا جدا بالنسبة للقارئ الناشئ في هذا الحقل ولكنه يعود بنفع كبير على القارئ المتمرس في هذه الحقول