هل أنت أنت؟
من غير المريح نفسياً وجسدياً أن تظلَّ مرتدياً اللباس الرسمي لمدة يومٍ كامل، وممّا يُنهكُ الكاهلَ ويُتعبُ الروحَ الإجبارُ على مجاملةِ الآخرين لمدة مماثلة، وليس بمستبعدٍ على البعض أن يُفضّلَ فراقَ الدنيا على التماهي مع القطيعِ البشري.
ممّا يتمايز به الإنسان على غيره من المخلوقات هو تمكّنهُ من مخالفةِ رغباتهِ وقناعاتهِ لكي يكسبَ ماهو أعلى من القيمة المادّية والنتيجة الآنيّة، ولا يُعتبر هذا الفعل - في الغالب - أمراً مشيناً طالما عُلِمَتْ مسبّباتهُ بتوضيحٍ أو تضمين.
على مدى الزمان ظلّت مُداراةُ المجتمع المحيط ركيزةً تتّكئُ عليها البُنية الاجتماعية وعليها تعاقبت الأجيال واستقرّت بها أعمدة المجتمعات. ولكن مع التحوّل إلى المجتمع المدني الحديث تضاءلت السلطة المجتمعية وتجذّرت الاستقلالية الفكرية والمعرفة التراكمية للفرد ممّا أكسبتهُ اختياراً بعيداً عن التأثّرِ بالمجموع حتى وإن كان مماثلاً له.
أردتُ أن آتي بهذه المقدمة لِما لحِظتُهُ من انتشارٍ مخيفٍ لحياةٍ زائفة أنتجتها الثورة المعلوماتية بتزاوجها مع محور الاستهلاك العالمي، استعراضُ الحياة الخاصة للأُسر، قتل براءة الأطفال واستغلالهم في نشر المحتوى الوهمي والتافه، التماهي مع كل ما يروَّج له من قبل مشاهيرِ المنصّات، وعلى ذلك فقِس.
أستعرضُ معكم بعض أمراض هذه الحياة الزائفة:
١- الهوس بالمظهر والتعبئة الذاتية البصرية
أدّى هذا المرض إلى انخراطٍ أحمق في دوّامات ما تسمّىٰ بعمليات التجميل التي أفرزت مسوخاً بشريةً تتوهّم أنها أحسن من الله خلقاً.
٢- اضطراب الهويّة
من الأمور التي يعاني منها الممثلون هو عندما يتقمّصون أدواراً معيّنة فإنهم يظلّون يعيشون الدور حتى في حياتهم العامة ممّا يضطرهم إلى العلاج النفسي بعد الانتهاء من العمل، وهذا ما يعاني منه الكثير من روّاد منصات التواصل دون شعورهم بالحاجة للتخلّص من الدور الوهمي المُعاش.
٣- انفصام الشخصية
قد لايُشخّص الأطباء النفسيون أياً من صنّاع المحتوى على أنهم مصابون بالفصام اكلينيكياً لكنهم واقعاً يعانون صعوبة في الفصل مابين الوهم والحقيقة.
٤- انعدام التجربة الذاتية
لأن هؤلاء يعيشون حياةً أخرى غير حياتهم يظلّون يدورون في فلكٍ مسبق البناء يعيدون فيه انتاج معلّبات الآخرين الحياتية.
٥- سلب الاختيار
أصبح الكثير من روّاد منصّات التواصل الاجتماعي يعيشون فقاعةَ حياةٍ وهميّةٍ زائفة ظنّاً منهم أنها عينُ اليقين، وكما كان ولازال يعاني الممثلون والمغنون وكذلك الرياضيون من ظاهرة سلب الاختيار وسيطرة الشركات الراعية لهم وسطوة المجتمعات حولهم كذلك أصبح الكثير من الأطفال والشباب والنساء وكبار السن ممن أدخلوا أنفسهم وأهليهم في أتّون شبكات التواصل.
قد أكون متشائماً بعض الشيء ولكن الإنذار بالخطر وأخذ الحيطة والحذر أقلّ ثمناً وأحجى من ترك الحبل على الغارب لنرى أين نصل.
حفظنا الله وإياكم من نكبات الدهر وتقلّبات الزمان.





