طبيب النفوس (2)
(قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ وَ لَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ) (44/1)
يقال في التاريخ أن مصقلة بن هبيرة الشيباني اشترى سبيَ نصارىٰ بني ناجية من عامل عليٍّ عليه السلام مَعقلِ بن قيس الرياحي بنصف مليون درهم ودفع ثلث المبلغ وأعتقهم ثم فرّ كي لا يدفع الباقي والتحق بمعاوية، فأنفذ أميرُ المؤمنين عليه السلام حريّتَهم وقال مقولته في مصقلة.
ممّا يزلزل السلام الداخلي للإنسان وكذلك النظرة المجتمعية تجاهه أن يُلحِق رذيلةً بفضيلة كمن يتصدّق ثمّ يرائي بذلك أو من ينهىٰ عن قبيحٍ ويأتي مثلَه أو أقبحَ منه، وليس أبقىٰ في أذهان العامّة من رذيلةٍ يتلبّسها من يدّعون الفضيلة.
صحيحٌ أن المغرَيات تتباين بين الناس وكذلك ميول الفضيلة والرذيلة، ومن الممكن أن يكون لأحدٍ رادعٌ داخليّ تجاه رغبةٍ ما وضعفٌ أمام أخرى، لكنّ الناس في العادة لا يمايزون وينظرون إلى الفضائل ككتلةٍ واحدة وكذلك إلى الرذائل.
(الافتداء والعتق) و (الفرار ثم الخيانة) قد لا يتجاوران في الذهنية العامة ولايرى الناس إمكانية اجتماعهما لدى فرد واحد ولكنّ ذلك ليس ببعيدٍ عنّي وعنك.
قَبِل أميرُ المؤمنين عليه السلام افتداء بني ناجية حتى وإن كانوا نصارىٰ محاربين لأن ذلك يُحيي فعل الخير بين الناس ولكنّه ذم ما فعله مصقلة من الفرار والخيانة لأنّ ذلك يهدمُ بناءَ الخير ويحبط العمل الصالح، لتكونَ النتيجة المجتمعية هي أن بني ناجية أحرارٌ آمِنون ومصقلةَ خائنٌ فارّ.
(وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلَا تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدِيَ الْخَيْرَ وَ لَا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ، وَهَبْ لِي مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ).
رمضانكم عَلويّ
محمد حسن يوسف
٢ رمضان ١٤٤٧





