سيهات الشيخ الرواغة : ركائز الدولة المهدوية

شبكة مزن الثقافية

القى سماحة الشيخ صادق أحمد الرواغة «حفظه الله» يوم الجمعة بتاريخ 19 شعبان المعظم1426هـ ا في مسجد العباس  بمدينة سيهات كلمة بعنوان « ركائز الدولة المهدوية»..

فيما يلي نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ

  • المصلح والمنقذ في الفكر البشري

إن فكرة خروج مصلح ومنقذ للبشرية ليست بدعاً من القول أو أنها من مختصات طائفة دون أخرى من طوائف المسلمين، وإنما هي قضية أجمع عليها المسلمون، وإن كان هناك اختلاف في بعض الصفات أو الخصوصيات المرتبطة بشخص المصلح والمنقذ الذي يتم على يديه صلاح العالم وتطهيره من الظلم والجور.
فقد اتفق المسلمون على أنه في آخر الزمان سوف يخرج رجل من ولد رسول الله  يملئ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ولكنهم اختلفوا في شخصه.. من هو؟ ومن أبناء من؟ هل هو من ولد الحسن ، أم الحسين ؟ وهل ولد أم ما لم يولد بعدُ؟

أما من حيث المبدأ فجميع المسلمين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم يؤمنون بخروجه.

إن فكرة المهدي الموعود قد بشرت بها الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل وغيرها، فهي عقيدة في عمق الديانات السماوية.
ويمكن القول أن هذه الفكرة والعقيدة إنسانية عالمية، فهناك مجاميع بشرية تؤمن بضرورة خروج المنقذ والمصلح الذي يخلص العالم من الظلم ويعيش الجميع في كنفه وفي ظل حكومته في عدل وأمن واستقرار وفي عيش رغيد وحياة مرفهة.

إن البشرية تنتظر قدومه عليها كي يخلص المستضعفين من براثن المستكبرين والطغاة.
فهي إذن ليست فكرة مختصة بمذهب ما أو ديانة ما، وإنما هي قابعة في عمق الوجدان الإنساني والأكثر يترقب قدومه وخروجه ليخلصها مما هي فيه من ظلم وجور.
وإن أنكر البعض هذه العقيدة ورفضها يعد شاذٌ لا يضر في تحققها ووجودها مستقبلاً وضرورة الإيمان بها.

  • وقد أُلفت الكتب وأحصيت الأحاديث الدالة على صفاته وضرورة ظهوره، ومن تلك المؤلفات:

- عقد الدرر في أخبار المنتظر للشيخ العلامة يوسف بن علي المقدسي الشافعي السلمي.
- المحجة في ما نزل في القائم الحجة للمحدث الجليل السيد هاشم البحراني.
- يوم الخلاص لكامل سليمان.
- دراسات في علامات الظهور للسيد جعفر العاملي.
- المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة للدكتور عبد العليم عبد العظيم.
- الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة لمحمد صديق البخاري.
- المهدي المنتظر لإبراهيم المشوخي.
- موسوعة الإمام المهدي للشهيد الصدر الثاني، في أربع مجلدات.
- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، للطف الله الصافي.

إلى غير ذلك الكثير، وما ذكرناه ليس للحصر،هذا مضافاً للكتب الحديثية التي عقدت أبوابا تتحدث عن المهدي الموعود، كالكافي وبحار الأنوار وغيرهما.
وخلاصة القول: أن فكرة خروج المنقذ للبشرية بعد ظلم وجور، هي فكرة عالمية إنسانية، قد تسالم عليها أكثر البشر وباتت من المسلمات لديهم، إلا من شذ منهم.

  • حاكمية الإسلام

بعد وفاة الرسول الأكرم أخذت الآراء الفقهية والعقدية بالتفرع والتنوع والاختلاف، وأصبحت هناك آراءٌ متعددة حتى على مستوى القضية الواحدة غير ما كان في زمن الرسول حيث )ص) كان منبع هذه الأحكام في العهد الإسلامي الأول كتاب الله وسنة نبيه، وكان طريقة تلقيها –كما يقول ابن خلدون- "منه بما يوحى إليه من القرآن، ويبينه بقوله وفعله، بخطاب شفاهي، لا يحتاج إلى نقل، ولا إلى نظر.. وحين غاض هذا النبع بوفاة الرسول الأكرم بقيت نصوص هذين المصدرين هما أساس التشريع الإسلامي.. ثم حدث ما لا بد أن يحدث، من كثرة الوقائع وتشعبها، بما لا عهد للمجتمع الإسلامي الأول به. وكان ذلك نتيجة لسعة الرقعة الإسلامية.. والذي لا شك به أن ليس لدى المسلمين كل ما يحتاجونه من نصوص، في كل واقعة واقعة، وإنما كانت هناك نصوص وقواعد من الكتاب والسنة ذات طبيعة عامة يمكن انطباقها على الوقائع والمشاكل الحادثة.. وطرق استثمار هذه النصوص تحتاج أول ما تحتاج إلى فهم في كتاب الله، وفقه وتدبر في سنة نبيه، ولم يكن المسلمون يومئذ كلهم على هذا المستوى من الفهم للمسائل، لذلك وقعت الاختلافات بينهم في إعطاء هذه الوقائع ما تحتاجه من أحكام .

وهذا الاختلاف في فهم النصوص الشرعية ليس عيباً، طالما قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وأصبحت هناك مدارس لها أصولها وقواعدها في استنباط الأحكام واستخلاص العقيدة.

مضافا إلى أن ما حدث من اختلافات كان بسبب اعتماد بعض الأحاديث والروايات الضعيفة، أو بسبب الاختلاف في فهم النص الوارد أو لترجيح حديث ورواية على غيرها وإن كانت ضعيفة من حيث السند أو المتن، أو لتدخل البعد السياسي بشكل قوي في تحديد الرأي أو العقيدة وفرض الرأي والفهم بقوة الحديد والنار، كما حدث ذلك بالنسبة لمحنة خلق القرآن.

من هنا تشكلت المذاهب الإسلامية وتفرعت الآراء، وأصبح لكل طائفة أو مذهب رأيه وخصوصياته.
وبتطور البشرية وتداخل المصالح و معارضتها لبعض النصوص أو للفهم الخاطئ لها، وسيطرة المادة سيتخذ الفهم العام للمفهوم والقضايا الإسلامية منحىً يسير باتجاه الابتعاد عن الدين ومفاهيمه ومبادئه مما يؤدي لابتعاد الناس عن الإسلام والقيم السماوية الحقيقية كما جاء به الرسول الأكرم فيتحول الإسلام حينئذٍ غريباً في وسط المسلمين، لارتداد الناس وابتعادهم عن كل قيمة إسلامية سماوية، كما نصت على ذلك كثير من الأحاديث الواردة.

فقد روى الحكم بن عتيبة عن محمد بن علي قال: قلت: سمعنا أنه سيخرج منكم رجلٌ يعدل في هذه الأمة؟ قالإنا نرجو ما يرجوا الناس، وإنا نرجو لو لم يبقَ من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ سيطول ذلك اليوم حتى يكون ما ترجو هذه الأمة. وقبل ذلك: فتنة شر فتنة. يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله تعالى وليحرز دينه، وليكن من أحلاس بيته  .

وهذا الدين الجديد الذي يأتي به ليس بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما المقصود به هو الدين الإسلامي كما جاء به الرسول الأكرم ، لأن الأحكام إما غيبت عن الناس أو أن الناس ابتعدوا عن الإسلام، وحينئذٍ عندما يكون الإسلام الأصيل هو الحاكم، فإن الناس سوف ينكرون تلك الأحكام لتوغلهم في مفاهيم بعيدة كل البعد عن الإسلام والدين.

لذلك يقوم -عجل الله فرجه- بإزالة كل مظهر من مظاهر الشرك والكفر، حيث يعرض الإيمان على الجميع، ويدعو للتوحيد الخالص من كل شائبة، ويرفض الحالة المذهبية ويوحد الجميع تحت لواء واحد وعقيدة واحدة.

ويصلح به أمر الأمة ويرفع اختلافها ويؤلف قلوبها على السنة النبوية النقية وما أخفي أو ضيع من القيم السماوية الأصيلة.
يقول الرسول الأكرم  (سنته سنتي يقيم الناس على ملتي وشريعتي )

ويقول الإمام علي  يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن، إذا عطفوا القرآن على الرأي... تخرج له الأرض أفاليذ كبدها، وتلقى إليه سلماً مقاليدها، فيريكم عدل السيرة، ويحيي ميّت الكتاب والسنة ويحارب البدع وينفي عن الدين التحريفات التي ورثها المسلمون من الابتعاد عن الثقلين طوال قرون، فيعود الدين النقي كما جاء به الرسول الأكرم .

  • الرحمة والأمن

جاء الإسلام بالرحمة الإلهية المهداة للبشرية جمعاء، فهو دين أمن وسلام واستقرار، لا يدعو للعنف و الإرهاب أي كان مصدره، ولم يجز لأحد أن يرهب الناس أو أن يستخدم ضدهم العنف والقمع حتى على مستوى الأسرة، فلا يجوز للأب أن يمارس العنف على أحد من أسرته وبنيه أو بناته.
فهو دين ركائزه السلم والسلام والأمن والاطمئنان.

وما بعثة الرسول الأكرم إلا إحدى مظاهر الرحمة الإلهية، حيث نقل عنه قوله: إنما بعثت رحمة لا نقمة .
وسيرة حفيده القائم المنتظر -عجل الله فرجه- لا تختلف عن سيرته المباركة، ففي ظل حكومته ودولته ينعم الجميع بالأمن والاطمئنان، ليس على مستوى البشر فقط، وإنما على مستوى المخلوقات كافة، فقد ورد عن الإمام علي  قوله..ويصطلح في ملكه السباع..
وقد ورد أيضا أن في دولته ترعى الشاة بجنب الذئب.
فلا يعيش الناس في أمن وسلام واطمئنان فقط، وإنما سائر ما خلق الله تعالى.

  • العدل

يشكل العدل أحد أهم الدعائم التي يحافظ معها الحكم على الثبات والاستقرار، وبعكسه الظلم والجور الذي يزعزع الكيانات ويقوض صرح الحكومات، ويطيح بصاحبه.
والظلم والجور الذي يسارع في تقويض عرش من يمارسه ليس على المستوى السياسي والحكومي، وإنما يتعدى ذلك ليصل على المستوى الاجتماعي والأسري أيضا.
يقول أمير المؤمنين في عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر: وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد فالظلم يؤدي إلى زوال النعم وتعجيل انتقام الله تعالى، سواء أكان الظلم من الحاكم أو الأب أو المربي أو الزوج أو الزوجة..الخ.
والعدل ممارسة يستشعر معها المحكوم بعدم تضييع حقه، وأن تكون الفرص للجميع متكافئة لا تختص بأحد على حساب أحد مهما كان موقعه.
ومما يمتاز به عهد الإمام المنتظر -عجل الله فرجه- هو أن يعم العدل الجميع، فلا يوجد في ظله مظلوم أو ظالم.

  • والروايات الواردة في عدله كثيرة جدا بلغت حدا بحيث لا يمكن إنكارها، ومن تلك الروايات:

عن عبد الله   قال: قال رسول الله لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما 
وعن الإمام علي ، عن النبي قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا .
وعن أبي سعيد الخدري   قال: قال رسول الله لتُملأن الأرض عدواناً، ثم ليخرجن رجل من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وعدوانا .
ومما ورد في رد المظالم ما روي عن الرسول يبلغ من رد المهدي المظالم، حتى لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتى يرده .

  • التكامل

تسير البشرية خطىً حثيثة نحو التطور والتكامل على مختلف المستويات والأصعدة وفي جميع الجوانب، ومما كان مستغرباً قديماً أصبح اليوم من المسلمات أو شبه المسلمات التي باتت ضمن حياتنا اليومية.
وما وصلت إليه البشرية اليوم ليس نهاية المطاف والنقطة الأخيرة التي توجب الوقوف عندها، وإنما يمكن القول أن هذا التطور والتقدم الذي نلمسه في جميع جوانب الحياة إنما هو بداية التكامل العلمي والتكنولوجي والمعرفي والاقتصادي..
وفي زمن الدولة المهدوية تصل العلوم والمعارف إلى نقطة التكامل التي تكون نهاية الكمال في كل شيء، حتى على مستوى المعرفة، فإنه سوف تتفتح الآفاق وتكون البصائر نافذة.
عن أبي سعيد الخدري عن النبي تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم يبلغوا مثلها قط، ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدع الأرض شيئا من نباتها إلا أخرجته، والمال يومئذ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ .

وعن الرسول ليبعثن الله من عترتي رجلا أغرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلا، ويفيض المال فيضا .
بل أن الناس حينئذ لا يجدون موضعا ينفقون فيه أموالهم لاستغناء الجميع، يقول الإمام الحسن بن علي تواصلوا وتباروا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليأتين عليكم وقت لا يجد أحدكم لديناره ولا لدرهمه موضعا –يعني لا يجد عند ظهور المهدي موضعا يصرفه فيه- لاستغناء الناس جميعا بفضل الله تعالى وفضل وليه المهدي .

  • المساواة والمواساة

إن قانون الإقطاع هو الذي يدمر البلاد ويباعد بين العباد، بما يسببه من تمييز لفئة دون أخرى، ويحول الأمة إلى قسمين متباينين: الإقطاعيين الذي يعيشون حالة البذخ والترف، والأخرى التي لا تجد لها حتى قوت يومها لتنفقه في شؤونها.
وهو يؤدي إلى الطبقية التي تقود نحو زرع روح الكره والبغض في نفوس الطبقة الدنيا. والإسلام يمقت هذه الحالة ويرفضها لأنها تعمل على تفتيت البنية الاجتماعية، ولا تمايز بين الناس.

وإذا قام المهدي -عجل الله فرجه- فإنه يلغي هذه الطبقية التي تميز بين أبناء الأمة، فقد ورد:(إذا قام قائمنا اضمحلت القطائع فلا قطائع).
وفي العدل والمساواة عن جابر عن أبي جعفر الباقر (إذا قام مهدينا أهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية).
ولا يمتاز المهدي -عجل الله فرجه- في معيشته على غيره من رعيته، مع ما تصل إليه الدنيا من تكامل النعم، بل يعيش متواضعا، يلبس من اللباس ما خشن ويأكل من الطعام ما جشب، فقد ورد:(ما لباسه إلا الغليظ، وما طعامه إلا الشعير الجشب).

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.