طبيب النفوس (4)

محمد حسن يوسف

(وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَ أَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ) (85/1)

من خطبةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام فرّق بين صنفين من الناس، أحدهما أعلام الهدىٰ وأصحاب البصيرة، والصنف الآخر نستطيع تسميته الضُّلّال المضلِّين. وأبدع عليه السلام في بيان أدقِّ التفاصيل في معرفة الفريقين، لكن لقِصَرِ المقام والمقال أتوقف عند الصنف الآخر لعظم الاشتباه العام في مصاديقه والخلط الشائع لدى الناس.

هامان - وزير فرعون - لم يكن شخصاً ذا مركزٍ سياسيٍّ في دولة بل كان فوق ذلك مهندس صياغة الوعي الجمعي لدى رعايا مصر، والإيمان بألوهية فرعون لم تأتِ بالإكراه بل استطاع هامان أن يجعل المجتمع المصري يجتاف الفكرة مختاراً ولكن بطريقة لاواعية ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.

ليس من السهل تجنّب الوقوع في الجهل المركّب وخصوصاً عندما يكون على رأس الهرم المعرفي أناسٌ يبيعون الوهم على الناس بأسلوبٍ احترافيٍّ متقن. هؤلاء "العلماء" - سواءً كانوا رجال دين أو أساتذة جامعات أو أطباء أو مثقفين أو خبراء - قد يروّجون لبضاعة الدجل أكثر من العرّافين والكهنة وما جائحة كورونا عنّا ببعيد.

في زمن سهولة الحصول على المعلومة تزايد تجّار الوهم واتسعت معهم مساحة السوق وعدد وتنوّع الزبائن فلا توجد بضاعة إلا ولها مشترون، حتى وصل الحال كما وصفه عليه السلام (فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ وَ لَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ).

بذل الجهد في البحث عن المعرفة والاتكاء على المنهج المستقلّ بعد التوكل على الله عزّ وجل يقي الإنسان من اضطرابات الزمان والمكان ويُعيد الاتزان النفسي كما عبّر عنه الصادق عليه السلام (العالم بزمانه لاتهجم عليه اللوابس).

جعلنا الله وإياكم ممّن يستضيئون بنور العلم وممّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع مجيب.

رمضانكم عَلوي

محمد حسن يوسف
 ٤ رمضان ١٤٤٧